السيد فضل الله لـ”الانتشار”: لبنان محكوم بلاءات ثلاث

دعا العلامة السيد علي فضل الله في حديث إلى موقع "الإنتشار" "المسيحيين إلى أن لا يسمحوا لهذا الجو بأن يؤثر فيهم، وإلى أن يتنبهوا لكلّ ما يجري، وأن لا يسمحوا باستدراجهم إلى أتون الصراع، لكي لا يتسبَّب ذلك بمشكلة لا نريد لهم أن يقعوا فيها. ونحن لا نريد لأي مكوّن إسلامي أو مسيحي، أو ما إلى ذلك، أن يستدرج إلى أي صراع، بل نريد للجميع أن يكونواً عناصر مؤتلفة وجامعة وموحّدة"، وكذلك خاطب المسلمين "بكل فئاتهم للحفاظ على وحدتهم، وحماية كل عناصر التنوع في هذا الشرق".

 

وقال فضل الله: "في لبنان، هناك تجمّع طوائف، وتجمّع مذاهب، وتجمّع قوى موجودة على الأرض، وليس هناك دولة بالمعنى الكامل للدولة، أي بمقدورها أن تحسم حتى حركة الجيش اللبناني الذي يمثل صمام الأمان الأساسي في هذا البلد، وبالتالي، فهو مضطر إلى أن يراعي بوجوده هذا الموقع أو ذاك، وما ندعو إليه اللبنانيين، هو أن يفكّروا ولو لمرة واحدة في هذا البلد"، مبديا خشيته من ان لا يكون ممكنا أن لا يتمكن اللبنانيون، حاليا، من الشعور بالأمان في ظل التعقيدات الموجودة لكنه استطرد قائلا أن "ذلك لا يمنع أن نلتقي كلبنانيين لإيجاد صيغة ينأى فيها لبنان عن كل هذا الجو الذي يحصل في محيطه، فالإمام علي(ع) طرح شعار: "لأسلمنّ ما سلمت أمور المسلمين"، وفي لبنان أيضاً نقول: "لأسلمنّ ما سلمت أمور اللبنانيين".

 

وتمنى "من كل القيادات أن تسعى وأن تفكر في صيغة للحل، لأن الصراع في المنطقة لا تبدو نهايته قريبة"، مضيفا: "ونحن ندعو إلى التسريع في سبيل أن يكون هناك حوار إسلامي ــ إسلامي، وإسلامي ــ مسيحي، وحوار وطني في القضايا الوطنية، ويجب أن يكون هناك عمل دؤوب في هذا الاتجاه، وللأسف، نرى أن الساحة متروكة إلى ما يشبه المجهول. الآن، ليس هناك حكومة، وليس معروفاً موعد تأليفها، ولا يوجد مجلس نيابي بالمعنى العملي أيضاً. وفي رئاسة الجمهورية، لا نعرف إلى أين ستصل الأمور".

 

السيد فضل الله الذي لم يلتق بالرسميين الأتراك في زيارته الأخيرة إلى أنقرة استشعر سعيا تركيا "باتجاه تحسين علاقاتها التي كانت مقطوعة، وإعادة الدفء نوعاً ما مع إيران والعراق".

 

وقال: "إنّ لبنان، كما كان يقول سماحة السيد الوالد(رض)، محكوم بثلاث لاءات: "لا تقسيم، لا انهيار، لا استقرار، وبالتالي فلا انهيار للبنان، وسيبقى محكوماً لبعض الضوابط على مستوى الحكومة والمجلس ورئاسة الجمهورية، التي تمثل موقع التوازن على المستوى الطائفي في لبنان، فإن لم تأتِ الحلول، سيكون السقوط التام، وأنا أستبعد أن يسقط لبنان نهائياً".

 

عن سلاح "حزب الله" قال السيد فضل الله: "إن سلاح المقاومة الذي مثل الحماية للبنان، ينبغي أن يبقى، ولينطلق الحوار في هذا الشأن وفي غيره".

 

 

* في أيّ إطار يضع العلامة السيّد علي فضل الله ما يحصل في المنطقة؟

 

* هناك الآن صراع متعدّد الأوجه في المنطقة، وهو صراع دولي بدأنا نشهد محاولات حلحلة له، وهناك صراع إقليمي واضح، يتمظهر في أكثر من مكان، وقد أصبح الحسّ الطائفيّ والمذهبيّ بارزاً، وهو يستخدم في هذا الصراع على المستوى الدولي أو على المستوى الإقليمي، وينتج منه خوف الطوائف من بعضها البعض.

 

هذه المرحلة هي مرحلة صراع متعدّد الأوجه، نأمل أن تكون هناك حلول قريبة، أما لماذا هذا الصراع؟ فلأنّ كل طرف يخاف على وجوده وعلى موقعه وامتداداته في المنطقة. لذلك، نجد أنَّ هذا الصّراع يشهد هذا التّفجر الكبير الّذي نأمل أن لا يصل إلى حدود كانت محرمة في مراحل سابقة.

 

 

 

السيد فضل الله خلال حديثع مع الزميل منصور شعبان وإلى يمينه الزميل علي شرتوني

 

 

* كيف تنظر إلى إدخال العنصر المسيحي في صلب هذا الصراع؟

 

* بالطبع، إنّ ما يحصل يؤذي الجميع؛ فالمسيحيون كما المسلمون في هذه المنطقة، يتأثرون بما يجري فيها. ومن السهل جداً أن يقول المرء: أريد أن أترك هذا البلد وأهاجر؛ هذا القول يراه البعض منطقياً وطبيعياً، ولكننا نقول: لا يجب التأسيس على هذا الوضع، بل لا بدَّ من التفكير في كيفية الخروج من هذا المأزق، بمزيد من العمل من أجل تهيئة مناخ الحوار والتلاقي، واستخدام كل الإمكانات المتوافرة في علاقات كل جهة مع الخارج، ويجب التحرك بكل جدية في هذه المرحلة، فالحل ليس بتفريغ المنطقة من أهلها، لأن كل طرف فيها يعد مكوّناً أساسياً من مكوناتها، فالمسيحيون لهم وجودهم وحضورهم ودورهم، وينبغي أن تتضافر جهود الجميع ليبقى هذا المكون في المنطقة.

 

من المؤكّد أن هذه المرحلة صعبة، وعلينا العمل للتخفيف من آثارها، وهذا ما نسعى إليه، ونحن نعرف أن المسيحيين لهم دورهم، وخصوصاً في هذه المرحلة، وندعوهم إلى أن لا يسمحوا لهذا الجو بأن يؤثر فيهم، وإلى أن يتنبهوا لكلّ ما يجري، وأن لا يسمحوا باستدراجهم إلى أتون الصراع، لكي لا يتسبَّب ذلك بمشكلة لا نريد لهم أن يقعوا فيها. ونحن لا نريد لأي مكوّن إسلامي أو مسيحي، أو ما إلى ذلك، أن يستدرج إلى أي صراع، بل نريد للجميع أن يكونواً عناصر مؤتلفة وجامعة وموحّدة.

 

إننا نريد أن يخرج الجميع من هذا الواقع، سواء في سوريا أو في لبنان، وندعو المسلمين بكل فئاتهم للحفاظ على وحدتهم، وحماية كل عناصر التنوع في هذا الشرق، الذي نريده كما هو في التاريخ، شرق الرسالات والحضارات.

 

 

* هل هناك خوف واضح من تداعيات ما يحصل في سوريا على لبنان؟

 

* لا يستطيع لبنان أن يكون خارج ما يحصل في المنطقة، لأن كل طرف يسعى إلى أن يكون له حضوره، وسيجد نفسه داخل هذا الصراع بطريقة أو بأخرى. وبطبيعة الحال، فإنَّ الواقع اللبناني هو صدى لما يجري في الخارج.

 

في لبنان، هناك تجمّع طوائف، وتجمّع مذاهب، وتجمّع قوى موجودة على الأرض، وليس هناك دولة بالمعنى الكامل للدولة، أي بمقدورها أن تحسم حتى حركة الجيش اللبناني الذي يمثل صمام الأمان الأساسي في هذا البلد، وبالتالي، فهو مضطر إلى أن يراعي بوجوده هذا الموقع أو ذاك، وما ندعو إليه اللبنانيين، هو أن يفكّروا ولو لمرة واحدة في هذا البلد، لئلا يبقى ساحة للتنفيس، أو صندوق بريد، أو أن يكون محطة صراع.

 

لقد آن الأوان لأن يشعر اللبنانيون بالأمان، ونحن نخشى أن لا يكون ذلك ممكناً حالياً، في ظل التعقيدات الموجودة، ولكن ذلك لا يمنع أن نلتقي كلبنانيين لإيجاد صيغة ينأى فيها لبنان عن كل هذا الجو الذي يحصل في محيطه، فالإمام علي (ع) طرح شعار: "لأسلمنّ ما سلمت أمور المسلمين"، وفي لبنان أيضاً نقول: "لأسلمنّ ما سلمت أمور اللبنانيين"، فعلينا أن نفكر في أن نسالم لمصلحة اللبنانيين، ومطلوب من كل القيادات أن تسعى وأن تفكر في صيغة للحل، لأن الصراع في المنطقة لا تبدو نهايته قريبة، وهو صراع طويل، وستكون تداعياته أطول، حتى لو وجدت صيغة للحل، فقد تكون صيغة مهتزة وغير ثابتة، والمطلوب هو أن نفكّر في كيفية الخروج من هذه الدوامة التي تمر فيها المنطقة، وإذا كانت هناك هواجس لدى بعض اللبنانيين، فلا نستطيع إلا أن نحترمها، وهي تُطرح الآن في الساحة، وتتمحور حول وجود مخططات معيّنة لإضعاف هذا البلد، وهذه المشكلة تعالج من خلال الحوار الداخلي، من أجل إزالتها، لطمأنة الخائف على وجوده داخل البلد، ونحن ندعو إلى التسريع في سبيل أن يكون هناك حوار إسلامي ــ إسلامي، وإسلامي ــ مسيحي، وحوار وطني في القضايا الوطنية، ويجب أن يكون هناك عمل دؤوب في هذا الاتجاه، وللأسف، نرى أن الساحة متروكة إلى ما يشبه المجهول.

 

الآن، ليس هناك حكومة، وليس معروفاً موعد تأليفها، ولا يوجد مجلس نيابي بالمعنى العملي أيضاً. وفي رئاسة الجمهورية، لا نعرف إلى أين ستصل الأمور، فالبلد متروك، وكأن كل السياسيين في إجازة أو هم ينتظرون شيئاً قد يأتي من الخارج.

 

 

* يفهم من كلامكم أنكم مع تحييد لبنان؟

 

* قد يكون من الصعب تحييد لبنان عما يحصل من حوله، لكن في النهاية، يجب أن لا نستكين لهذا الواقع، فكل شخصٍ بإمكانه أن يساهم في معالجة الوضع، ولا يستطيع لبنان أن ينأى بنفسه إن لم تعالج الأسباب التي تجعل البعض لا ينأى بنفسه عن الدخول في ما يحصل في المنطقة.

 

 

* ما هو الانطباع الذي عدتم به من تركيا؟

 

* لقد كنت في تركيا في إطار المشاركة في مؤتمر إسلامي يسعى إلى وضع الأسس لتوحيد المسلمين، وخصوصاً في هذه المرحلة. ولذلك، لم نلتق أثناء الزيارة مسؤولين أتراكاً، بل التقينا بعض الجهات التي ليس لها موقع رسمي، وهناك سعي منها باتجاه تحسين علاقاتها التي كانت مقطوعة، وإعادة الدفء نوعاً ما مع إيران والعراق.

 

 

* هل أنت متشائم؟

 

* أنا أترقب الوضع، وألمح الصورة النهائية، وهي لا تبدو إيجابية في هذه الأيام، وليست كما نتمناها.

نحن نتمنى أن نكون متفائلين، لكن يبدو أن الأمور ليست بهذا الاتجاه، وما دام الخارج متفجراً، فلن نكون متفائلين على مستوى الداخل في لبنان.

 

 

* قلت إنك في موقع المترقب، هل تتوقع فراغاً رئاسياً؟

 

* إنّ لبنان، كما كان يقول سماحة السيد الوالد(رض)، محكوم بثلاث لاءات: "لا تقسيم، لا انهيار، لا استقرار، وبالتالي فلا انهيار للبنان، وسيبقى محكوماً لبعض الضوابط على مستوى الحكومة والمجلس ورئاسة الجمهورية، التي تمثل موقع التوازن على المستوى الطائفي في لبنان، فإن لم تأتِ الحلول، سيكون السقوط التام، وأنا أستبعد أن يسقط لبنان نهائياً، لأن لسقوطه تداعيات كبرى على المنطقة، وحتى على الكيان الصهيوني، ولذلك، علينا أن ننتظر النور في نهاية النفق.

 

 

* ماذا عن اتفاق إيران مع الغرب؟

 

* طبعاً، ستكون له تداعيات إيجابية. وفي النتيجة، هناك حوار تريده إيران ضمن ثوابتها، وأتصور أن إيران جادة في سبيل الحل، وهي جدية حتى على مستوى ملفات المنطقة.

 

 

* تحدثت عن الهواجس، علماً أن هناك خلافات على عناوين كبرى، فهل تخشى من انتقال ما يحصل في سوريا إلى لبنان؟

 

* إنَّ الحوار يساهم في تبديد الهواجس، لأنها قد لا تكون في كثير من الأحيان واقعية، وأتصور أن هناك إمكانية لإزالة الهواجس المطروحة الآن؛ فعلى سبيل المثال، فإن سلاح المقاومة الذي مثل الحماية للبنان، ينبغي أن يبقى، ولينطلق الحوار في هذا الشأن وفي غيره.

 

كانت هناك إمكانية في الحوار سابقاً، ليتم التوصل إلى نتائج على مستوى إزالة الهواجس على الأقل. وهناك إمكانية متوافرة الآن، ولكن علينا ألا نضيع الفرص في السجالات من بعيد، بل أن نبدأ بالحوار المباشر والجدي.

 

أما بالنسبة إلى انعكاس ما يجري في الداخل السوري، فإننا نخشى أن تتطور الأمور أكثر، ولكننا نثق بوعي اللبنانيين لحماية البلد من الداخل.

 

المصدر: موقع الإنتشار

Leave A Reply