لا تكتفوا بجعل القرآن مهراً، أو هدية عن روح ميت، أو مجرد زينة على الرفوف بل المطلوب أن يصبح القرآن هاجسنا ودروسه حاضرة في بيوتنا ونوادينا
إنّ أجمل ما في حبّ الله، أنّه حبّ لا ينضب، بل يسمو ويزداد كلّما ازداد الإنسان معرفةً بالله
لكلّ فتنة وَقود وحطب، هم الّذين تلتبس عليهم الأمور، أو الذين يسارعون للاستجابة لعصبياتهم وحساسياتهم وجهلهم، وهم وحدهم ـ للأسف ـ الذين يدفعون الثمن عندما تشتعل نار الفتنة، ويغيب الآخرون ليختفوا خلف الستار
الإيمان يُعرف عند الفقر، لكنّه يُعرف أكثر عند اليُسر والغنى.. والإيمان لا يُعرف عند هدوء الشّهوة وخمودها، بل عند فورانها
 حبّ الله هو أساس قيمة الحبّ، فلا يمكن أن يبتدئ الحبّ إلا من خلال حبّنا لله

الإمام علي(ع) مدرسة الأجيال

ألقى سماحة العلامة السيد علي فضل الله ، خطبتي صلاة الجمعة، من على منبر مسجد الإمامين الحسنين(ع) في حارة حريك، بحضور عددٍ من الشخصيّات العلمائيّة والسياسيّة والاجتماعيّة، وحشدٍ من المؤمنين، ومما جاء في خطبتيه:

 

قال الله سبحانه وتعالى في كتابه العزيز: {إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آَمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ}

 

مرت علينا في الثالث عشر من شهر رجب الحرام ذكرى الولادة العطرة لأمير المؤمنين الإمام علي بن أبي طالب(ع)...

هذا الاسم الذي ما أن نذكره حتى ترتسم أمامنا كل الصور التي تشير إلى عظمته وللموقع الذي بلغه عند الله وفي قلوب الناس.. فقد ولد هذا الإمام في أول بيت وضع للناس في الكعبة المشرفة لم يحظَ بهذا الشرف أحد قبله ولن يحظَ بها أحد بعده.

 

وقد نعم بتربية من أرسله الله رحمة للعالمين ومن قال عنه الله: {وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ}.. فقد تكفله رسول الله(ص) منذ أن كان طفلاً ورباه على عينيه فكان أول من أسلم وأول من صلى بعد رسول الله ومعهما خديجة..

 

يقول علي(ع) عن ذلك: "وقد علمتم موضعي من رسول الله صلى الله عليه وآله، بالقرابة القريبة، والمنزلة الخصيصة".. "ولقد كنت اتبعه إتباع الفصيل أثر أمه، يرفع لي في كل يوم من أخلاقه علماً، ويأمرني بالاقتداء به".. "ولقد كان يجاور في كلّ سنة بحراء فأراه ولا يراه غيري".. "ولم يجمع بيت واحد يومئذ في الإسلام غير رسول الله وخديجة وأنا ثالثهما أرى نور الوحي والرسالة وأشمُّ ريح النبوة".. ثم يقول: "اللّهم إني أوّل من أناب وسمِعَ وأجابَ لم يسبقني إلا رسول اللّه بالصلاة".

 

وهو عندما دخل في الإسلام لم يدخله بناء على اتباع لأن رسول الله(ص) تكلفه، ومن الطبيعي أن يؤمن بما آمن، لقد آمن به على قناعة ويقين.. جاء إليه رسول الله وعرض عليه الإسلام كما كان يعرضه على أي أحد فآمن به.. وعندما قيل له يومها لم تستشر أباك في إيمانك بالإسلام، قال أن الله لم يستشر أبي عندما خلقني، فلا حاجة أن أستشيره حتى أعبد ربي..

 

وحمل علي(ع) هم هذا الدين مع رسول الله وهو لم يتردد في أي أمر يدعوه إليه رسول الله، فعندما نزلت الآية على رسول الله(ص) تدعوه إلى أن ينذر عشيرته: {وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ}.. دعاهم لينذرهم ولما انتهى قال لهم يومها: "فأيّكم يؤازرني على هذا الأمر على أن يكون أخي ووصيّي وخليفتي فيكم … فلم يقم إلا علي، وكان يعرف تبعات ذلك عليه والإسلام لا يزال في مهده يواجه التحديات..

ولم يتردد عندما دعاه رسول الله(ص) أن يبيت على فراشه ليغطي بذلك هجرته من مكة إلى المدينة، لم يسأل شيئاً عن نفسه واكتفى بالسؤال: "أو تسلم يا رسول الله" وعندما قال له: "بلى"، قال إذاً اذهب راشداً مهدياً إذن لا أبالي أوقعت على الموت أو وقع الموت عليَّ..

 

ونزلت يومها الآية الكريمة ولتبين خيار علي(ع) في هذه الحياة،.. {وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ}.. لم يجد علي(ع) يستحق أن يبيع نفسه له سوى الله خالقه وربه.. وفي المدينة كان علي(ع) في مقدمة كل الحروب التي فرضت على المسلمين و كان بطلها وفارسها.. ففي بدر قتل ثلث قتلى المشركين وشارك المسلمون في الثلثين الأخيرين..

وفي أُحد كان الذاب عن رسول الله يوم تعرض المسلمون لنكسة وفرّ الكثيرون حتى جاء النداء من جبريل: "لا فتى إلا علي ولا سيف إلا ذو الفقار".

 

وفي الأحزاب يوم {زَاغَتِ الْأَبْصَارُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا * هُنَالِكَ ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ وَزُلْزِلُوا زِلْزَالاً شَدِيداً}.. لم يكن إلا علي(ع) ليقف في وجه أعتى فارس عمرو بن ود العامري.. وقد قال يومها رسول الله(ص): "برز الإيمان كلّه إلى الشرك كلّه".. وعندما صرعه علي(ع) قال(ص): "ضـربـة علي يـوم الخندق تـعـادل عـبـادة الـثـقـلـين".

وفي خيبر كان الفتح على يديه بعدما عجز عنه آخرون أرسلهم رسول الله، وقال حينها: "لأعطينَّ الراية غداً رجُلاً يحبّ الله ورسوله ويُحبّه الله ورسوله كرَّار غير فرَّار.. لا يرجع حتى يفتح الله على يديه"..

 

وفي فتح مكة كان حامل الراية التي بشرَّت بالنصر، لكنه ليس أي نصر، النصر الممزوج بالرحمة.. قد كان شعاره يومها(ع) هو شعار رسول الله(ص): "اليوم يوم المرحمة، اليوم تحمى الحرمة".

 

ولم يقتصر دور علي(ع) في الحرب التي لم تكن في نظره، هدفاً وغاية بل كانت وسيلة لإزاحة الباطل، فقد حمل علم رسول الله كما قال(ص): "أنا مدينة العلم وعلي بابها، فمن أراد المدينة فليأت الباب".. وكما كان يقول هو(ع): "علمني رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ألف باب من العلم في كل باب يفتح ألف باب".. وكان الباب إلى العدل والقرآن كما قال عنه رسول الله(ص): "علي مع الحقّ والحقّ مع علي.. علي مع الحقّ والقرآن، والحقّ والقرآن مع علي.. علي مع العدل والعدل مع علي".. حتى وصل ليكون نفس رسول الله "علي مني وأنا من علي"..

 

 وقبل أن يغادر رسول الله الحياة(ص) نزل جبريل إلى رسول الله(ص) ليبلغ الأمانة إلى من بعده وليس هناك غير علي(ع) قادر أن يحفظها والمؤتمن عليها.

 

ولكن جاءت الأيام وتحوّلت الخلافة إلى غيره..فوقف ليدافع عن حقه، ولكنه عندما رأى بوادر الفتنة التي كان يعد لها البعض بين المسلمين قال: "لأسالمنّ ما سلمت أمور المسلمين".. وكان في قمة الإيجابية لمصلحة الإسلام عندما راح يعين ويشاور الذين أبعدوه عن حقه ليبقى الإسلام على قوته وعزته وحين تسلم الخلافة بدأت تواجه علياً من الذين كانوا يريدونه أن يجامل على حساب العدالة والحق، لكن علياً الأمين على الإسلام والحامي له لم يفعل ذلك..

 

ولذلك عانى وتحمل كل الحروب التي شنت عليه؛ حرب الجمل وصفين ونهروان، وكان يكفيه أن يتنازل لحساب من ناوؤه حتى تصفو له الأجواء، ولكنه لم يفعل، فقد كان يريد أن يقدم تجربة صافية نقية عن هذا الدين عندما يحكم.. ولذلك قال للذين  طالبوه بأن يمنح المال أو المنصب لهذا وذاك حتى يحفظ حكمه: "أتأمروني أن أطلب النصر بالجور فيمن وليت عليه ؟"

 

كان علي(ع) يعرف كيف تؤكل الكتف وكيف يكسب القلوب، ولكنه قالها: "قد يرى الحوّل القلّب وجه الحيلة، ودونها مانع من الله ونهيه فيدعها رأي عين.." وكان يقول: "ولو شئت لاهتديت الطريق إلى مصفى هذا العسل، ولباب هذا ‏القمح، ونسائج هذا القز، ولكن هيهات أن يغلبني هواي".... وكان يقول: "ما ترك لي الحق من صديق".. ما كان علي(ع) يريد أن يكتسب أحباء أو أصدقاء له على حساب الحق، فلأجل الحق كان مستعداً أن يتحمل العداوات والضغائن وردود الفعل..

 

لقد آلَ علي(ع) على نفسه أن يبقى مع الحق حتى مع قاتله ابن ملجم حين قال: "أطعموا هذا الأسير من طعامي واسقوه من شرابي.. وأحسنوا إليه".. ثم قال لبني عبد المطلب: "لاَ أُلْفِيَنَّكُمْ تَخُوضُونَ دِمَاءَ الْمُسْلِمِينَ خَوْضاً، تَقُولُونَ: قُتِلَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ، قُتِلَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ. أَلاَ لاَ تَقْتُلُنَّ بِي إِلاَّ قَاتِلِي.. انْظُرُوا إِذَا أَنَا مِتُّ مِنْ ضَرْبَتِهِ هذِهِ، فَاضْرِبُوهُ ضَرْبَةً بِضَرْبَة"..

 

لكن يبقى السؤال، هل نكتفي في هذه المناسبة بأن نتحدث عنه، أن نمجده، أن نعظمه، هو يستحق منا كل ذلك، نعم يستحق و يستحق أكثر من ذلك، يكفي من ذلك ما قال عنه الشافعي عندما سئل عن رأيه في علي.. ماذا أقول في رجل أخفى أعداؤه فضائله حقداً وحسداً، وأولياؤه خوفاً فظهر من بين ذين وذين ما ملأ الخافقين..

 

ولكن لن يكتفي منا علي(ع) بذلك.. هو يريدنا أن نقترب من أفكاره ومواقفه وسلوكه..

 

نحن نستطيع ذلك عندما نعي سر علي(ع).. إن سر علي(ع) هو هذا الحب الدفاق لله.. لقد أحب علياً(ع) الله حباً لا يدانيه حب.. لقد بلغ حبه لله إلى حد ما قاله: "إلهي ما عبدتك خوفاً من نارك، ولا طمعاً في جنّتك، ولكنّي وجدتك أهلاً للعبادة فعبدتك".

 

وقد أشار إلى هذه العلاقة بالله عدي بن حاتم عندما سأله معاوية صف لي علياً.. حاول عدي أن يتنصل لخوفه من بطش و تجبر معاوية ولكنه عند إصراره قال: لقد رأيته ليلة وقد مثل في محرابه، وأرخى الليل سرباله، وغارت نجومه، ودموعه تتحادر على لحيته، وهو يتململ تململ السليم، ويبكي بكاء الحزين، فكأنّي الآن أسمعه وهو يقول: "يا دنيا! إليَّ تعرَّضت؟ أم إليَّ أقبلت؟ غرِّي غيري، لا حان حينك، قد طلَّقتك ثلاثاً لا رجعة لي فيك، فعيشك حقير، وخطرك يسير، آه من قلّة الزاد، وبعد السفر، وقلّة الأنيس.."

 

لذا كان علي إذا حضر وقت الصلاة يتلوّن ويتزلزل عندما كان يقال له ما بك؟ قال: "جاء وقت الصلاة، وقت أمانة عرضها الله على السموات والأرض فأبين أن يحملنها وأشفقن منها".

 

ويشير عروة بن الزبير، قال شهدت علياً وقد اعتزل في مكان بعيد عن الناس فإذا أنا بصوت حزين ونغمة شجي وهو يقول:

 

"إلهي كم من موبقة حلمت عن مقابلتها بنقمتك، وكم من جريرة تكرمت عن كشفها بكرمك، إلهي إن طال في عصيانك عمري وعظم في الصحف ذنبي فما أنا مؤمل غير غفرانك، ولا أنا براجٍ غير رضوانك".

 

وكان يقول: "طوبى لنفس أدت إلى ربها فرضها، وعركت بجنبها بؤسها، وهجرت في الليل غمضها، حتى إذا غلب الكرى عليها افترشت أرضها، وتوسدت كفها، في معشر أسهر عيونهم خوف معادهم، وتجافت عن مضاجعهم جنوبهم، وهمهمت بذكر ربهم شفاههم، وتقشعت بطول استغفارهم جنوبهم..".

 

وقد افتقد في ليلة من ليالي معركة صفين فوجدوه يصلي، فهو ما كان يحب أن يأتي وقت الصلاة ولا يصلي.. وكان لا يقف عند الواجب.. فهو لم يترك صلاة الليل منذ أن نزل الأمر بها إلى رسول الله..

 

أيها الأحبة:

إن حبنا لعلي ينبغي أن يصل بنا إلى حب لله قولاً وعملاً، وإلى حب رسوله ورسالته.... وبذلك نخلص لعلي.. حب علي(ع) عبادة، حب علي جنة من النار، حب علي هو أمان من النفاق وأمان من النار وباب إلى دخول الجنة.. ولكن علينا أن ننتبه كي لا يكون حبنا له، هو حب المغالين ولا حب البطالين والساكتين عن الحق وعن الظلم ولا العاملين به.

 

"ألا وإن ‏إمامكم قد اكتفى من دنياه بطمريه، ومن طعمها بقرصيه، ألا وإنكم لا ‏تقدرون على ذلك، ولكن أعينوني بورع واجتهادٍ، وعفة وسدادٍ".. وبذلك نخلص لله..

 

يا سماءُ اشهَدِي و يَا ارضُ قَرِّي *** واخشَعِي إنَني ذَكَرتُ عَليِّا

 

 

الخطبة الثانية

عباد الله، أوصيكم وأوصي نفسي بما أوصانا به الإمام الباقر (ع)، عندما سأله أحد أصحابه، وهو جابر، عمن ينسب إلى الشّيعة، ويستحقّ لقب "شيعي"، لأنَّ بعض الناس يعتبر أن التشيع هو أن يحبّ علياً، ويلتزم ولايته، ويفعل بعد ذلك ما يريد، كما قال ذلك الشّاعر:

 

سوَّدتُ صحيفة أعمالي *** وَوَكَلْتُ الأمرَ إلى حيدَرْ

 

وهذا الأمر فيه إساءة إلى علي (ع) وإلى أهل البيت ودورهم.. ولذلك، قال: "يا جابر، أيكتفي من ينتحل التشيّع أن يقول بحبنا أهل البيت؟! فوالله ما شيعتنا إلا من اتقى الله وأطاعه، وما كانوا يُعرفون يا جابر إلا بالتواضع والتخشع والأمانة، وكثرة ذكر الله، والصوم، والصلاة، والبرّ بالوالدين، والتعهد للجيران من الفقراء وأهل المسكنة، والغارمين، والأيتام، وصدق الحديث.. وأداء الأمانة إلى من ائتمنهم، وكانوا أمناء عشائرهم في الأشياء".

 

فقال جابر: "يا ابن رسول الله! لست أعرف أحداً بهذه الصفة، فقد تجد شيعياً ولا يصدق ولا يكون أميناً على أموال الناس أو المال العام.. وقد تجده لا يدير وجهه إلى قبلة".

 

قال(ع): "يا جابر، لا تذهبنّ بك المذاهب، حَسْب الرجل أن يقول: أحب علياً وأتولاه، ثم لا يكون مع ذلك فعّالاً؟ فلو قال: إني أحب رسول الله (ص)، ورسول الله (ص) خير من علي (ع) ثم لا يتبع سيرته، ولا يعمل بسنته ما نفعه حبه إياه شيئاً، فاتقوا الله واعملوا لما عند الله، ليس بين الله وبين أحد قرابة، أحب العباد إلى الله عزّ وجلّ وأكرمهم عليه، أتقاهم وأعملهم بطاعته. يا جابر، فوالله ما يُتقرّب إلى الله تبارك وتعالى إلا بالطاعة...".

 

ثم يقول الإمام متحدثاً عن نفسه وعن أهل البيت(ع)، حتى نحن: "ما معنا براءة من النار، ولا على الله لأحد من حجة"، فالمقياس لتحديد صحة العلاقة مع أهل البيت، هو ما أوضحه الإمام (ع): "من كان لله مطيعاً فهو لنا وليُّ، ومن كان لله عاصياً فهو لنا عدو".

 

فالتّشيّع أيّها الأحبّة، ليس إطاراً خاصاً محدداً، بل إنه يتواجد حيث يكون الحق والعدل والصدق والأمانة والنظام، في مواجهة الظلم والاستكبار والاستئثار والأنانية والفساد.. وهذا ما نريد أن نستهديه في هذا اليوم..

 

لبنان

والبداية من لبنان، الَّذي مرت عليه في الثالث عشر من شهر نيسان ذكرى الحرب الأهلية، وهي بالطبع مناسبة مشؤومة على لبنان واللبنانيين جميعاً، لكونها تعيدهم إلى مآسٍ وآلام لا يزالون يعانون آثارها وتداعياتها، فهي لم تمسّ الحجر والبشر، بل أصابت نسيجهم الاجتماعي في الصميم، وكادت تهدد كيانهم.

 

إنَّنا لا نريد من استعادة هذه الذكرى أن ننكأ الجراح، فهذه الجراح لا بدَّ من أن تندمل، بل لأخذ العبرة، ليكون وعي اللبنانيين أكبر، وتكون لديهم المناعة والحصانة التي تقيهم عودة هذه الحرب بكل مآسيها.

 

لقد كان لبنان وسيبقى في دائرة الاستهداف، لأن هناك من لا يزال يرى في لبنان الرئة التي تتنفس مشاكل المنطقة وسمومها، وحتى مشاكل العالم وسمومه، والساحة التي يحرص الكيان الصهيوني على تدمير صيغة العيش المشترك فيها، وضرب التنوع الديني بين أبنائها، لتسويق مشروعه التهويدي، القائم على استئصال كلّ تنوّع دينيّ وقوميّ، ولإظهار عدم جدوى هذه الصيغة، ليثبت بالوقائع عدم قدرة الأديان على التعايش فيما بينها..

 

ولذلك، فإنّ اللبنانيين مدعوون دائماً إلى أن يحصنوا وطنهم، وأن يزيلوا كل الأسباب التي تؤدي إلى إحداث الفتن... هم بحاجة دائماً إلى تحصين أنفسهم، حتى لا ينفذ إليهم من يسعى إلى تهديد وحدتهم. وأولى عناصر التحصين، إعادة النظر في نظامهم السياسي الطائفي الولّاد بطبيعته للفتن، وإزالة أي شعور بالغبن لدى الطوائف والمذاهب، لتعزيز فرص التلاقي، والكف عن تسييس الدين، حتى يعود للعب دوره القيمي والأخلاقي الجامع، بدلاً من أن يتحول إلى مظهر لتقاسم السلطة والصراع عليها..

 

لقد انطلقت الحرب اللبنانية على أساس إشعار المسلمين بالغبن من سيطرة المسيحيين على مقدرات الدولة، ليطالبوا بأخذ حقوقهم كاملة، في الوقت الذي خوِّف المسيحيون من المسلمين على أساس أنهم يسعون إلى تهديد وجودهم على المستوى الديمغرافي، بسعيهم إلى توطين الفلسطينيين.. وأدخل آنذاك اللبنانيون في أتون حرب كان من الواضح أنها تهدف إلى إسقاط صيغة التعايش وتسويق مشروع حلّ تصفويّ للقضية الفلسطينية، كان من الضروري أن يطبخ على النار اللبنانية..

 

إنَّنا في ضوء التجارب المرّة التي عشناها، نخشى في هذه المرحلة الحسّاسة وطنياً وإقليمياً، على مستقبل لبنان، وخصوصاً مع تجدّد خطاب الخوف من الآخر على المستوى الطائفي أو المذهبي، بحيث يشعر كلّ مكوّن طائفيّ أو مذهبيّ بأنه مهدد بوجوده، وهو، ما استعيد في الأيام الأخيرة للأسف، بما يذكّرنا بخطاب الحرب الأهليّة المشؤومة الّتي لا يبدو أن الكثيرين قد تعلموا من دروسها وعبرها، ما جعل اللبنانيين يخشون أن تتحوَّل هذه الحرب الباردة التي نعيشها بسبب خلافاتنا الطائفية إلى حرب حارة.

 

إنَّ هذا المناخ الطّائفيّ المسموم الَّذي أخذ بالظهور مؤخراً، يؤكّد الحاجة إلى تحصين الواقع اللبناني على المستوى السّياسيّ والأخلاقيّ، الذي بلغت هشاشته الحد الذي هدد البلد بالغرق في أتون فتنة، بفعل الخلاف على قانون انتخابي، ثم على جلسة التمديد، الّتي اعتبرتها بعض القوى الرافضة للتمديد تحدياً، وأعطتها بعداً طائفياً، حتى اعتبرت تحدياً للمسحيين. ولولا حكمة رئيس الجمهورية وتجاوب رئيسي الحكومة والمجلس معه، لوقعت الفتنة، ولما تم التوافق على تأجيل جلسات المجلس النيابي شهراً لإعطاء المجال والوقت الكافي لإقرار قانون انتخابي للبلد..

 

ونحن في هذا المجال، وفي الوقت الذي نرفض مبدأ التمديد، ونرى فيه إساءة إلى الحياة السياسية في لبنان، نرى أنَّ هذا القرار لم يكن سببه بعض القوى السياسيَّة، ولم يكن خيار المسلمين في مواجهة المسيحيين، بل جاء نتيجة تلكؤ القوى السياسية جميعاً، وفشلها في إيجاد الصّيغ التي تساهم في إقرار قانون انتخابي يتوافق عليه الجميع، بحيث بقي كلّ فريق يقدم القانون الَّذي يتناسب مع مصالحه الانتخابيّة، وما يؤمن له أن يكون الفريق الأقوى في طائفته وفي الساحة الداخلية.

ومهما كان السّبب، سيبقى على كل القوى السياسية، ولا سيما تلك الرافضة للتمديد، أن تستنفر جهودها خلال هذا الشهر، لإيجاد قانون عصري يضمن صحة التمثيل، ويؤمن الشراكة الحقيقية بين اللبنانيين، لا أن يحولهم إلى طوائف ومذاهب متناحرة، وإن كنا نخشى أن لا يتحقّق ذلك..

 

ونبقى في لبنان، وفي إطار الحديث عن تثبيت السّلم الأهلي فيه، لنشير إلى أهمية الاتفاق الذي أنجز في مخيم عين الحلوة، وأدى إلى انتشار القوى الأمنية الفلسطينية المشتركة، ونأمل من خلال تثبيت هذا الاتفاق، إزالة كل البؤر التي تسيء إلى المخيم وإلى محيطه، بحيث لا يكون ساحة صراع داخلي بين القوى الفلسطينية، ومكاناً يلجأ إليه الخارجون عن القانون والإرهابيون.

 

ونحن في هذا المجال، نقدّر كلّ القوى والشّخصيّات التي بذلت جهوداً لإعادة الأمن إلى المخيم، ونأمل أن تستكمل هذه الجهود، حتى لا يكون ما حصل بمثابة هدنة مؤقتة، ويبقى المخيم ساحة تقاسم نفوذ.

 

إنّ من حق الشعب الفلسطيني على كل القوى الفلسطينية أن تؤمّن، بالتعاون مع القوى الأمنية اللبنانية، الاستقرار والعيش الكريم، حتى لا ييأس ويهيم في بلاد الله الواسعة.

 

المكتب الإعلامي لسماحة العلامة  السيد علي فضل الله

 التاريخ :  17رجب 1438هـ الموافق: 14 نيسان2017م

 

عربية
الجمعة, نيسان (أبريل) 14, 2017