لا تكتفوا بجعل القرآن مهراً، أو هدية عن روح ميت، أو مجرد زينة على الرفوف بل المطلوب أن يصبح القرآن هاجسنا ودروسه حاضرة في بيوتنا ونوادينا
إنّ أجمل ما في حبّ الله، أنّه حبّ لا ينضب، بل يسمو ويزداد كلّما ازداد الإنسان معرفةً بالله
لكلّ فتنة وَقود وحطب، هم الّذين تلتبس عليهم الأمور، أو الذين يسارعون للاستجابة لعصبياتهم وحساسياتهم وجهلهم، وهم وحدهم ـ للأسف ـ الذين يدفعون الثمن عندما تشتعل نار الفتنة، ويغيب الآخرون ليختفوا خلف الستار
الإيمان يُعرف عند الفقر، لكنّه يُعرف أكثر عند اليُسر والغنى.. والإيمان لا يُعرف عند هدوء الشّهوة وخمودها، بل عند فورانها
 حبّ الله هو أساس قيمة الحبّ، فلا يمكن أن يبتدئ الحبّ إلا من خلال حبّنا لله

السمو الإنساني للإمام الرضا(ع)

الجمعة, تموز (يوليو) 27, 2018

ألقى العلامة السيّد علي فضل الله، خطبتي صلاة الجمعة، من على منبر مسجد الإمامين الحسنين(ع) في حارة حريك، بحضور عددٍ من الشخصيّات العلمائيّة والسياسيّة والاجتماعيّة، وحشدٍ من المؤمنين، ومما جاء في خطبتيه:

 

الخطبة الأولى

 

قال الله سبحانه في كتابه العزيز: {قَدْ جَاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ * يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلَامِ وَيُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ}.. صدق الله العظيم
 

مرت علينا في الحادي عشر من شهر ذي العقدة الحرام ذكرى واحد من أولئك الذين أشارت إليهم الآية أنهم ممن جاء بهم الله ليكونوا لنا نوراً يضيء للناس طريق حياتهم وقرآناً ناطقاً يتمثلونه في سلوكهم وهدى لهم إلى صراط مستقيم، حتى لا يضلوا ولا يضيعوا ويتيهوا ولا يتبعوا السبل فتفرق بهم عن سبيله...
 

وهو الثامن من أئمة أهل البيت(ع)، الإمام علي بن موسى الرضا(ع)، ونحن عندما نحيي ذكرى هذا الإمام في يوم ولادته لن نكتفي بذكر فضائله ومحامده وهي كثيرة أو أن نعبر عن حبنا له وهو من يستحق منا كل ذلك، بل لنعكس هذا الحب وهذه الفضائل والمحامد على حياتنا لنعرف من خلال ذلك أنفسنا أكثر ولنتأكد من صدق ولائنا وحبنا لهذا الإمام(ع)، لأن ولاءنا وحبنا له لا يتحقق إلا بالعمل والسلوك والمواقف..
 

وفي هذا الإطار لن يسعنا اليوم أن نتحدث عن كل ما تميز به هذا الإمام وهو الذي تميز في العلم والحلم والعبادة وحسن الخلق والبذل والعطاء والحوار، وشهد له بذلك الأعداء قبل الأصدقاء والموالين والمحبين.. ولكننا سنتوقف عند بضعة أحداث جرت معه والتي تشير إلى المشاعر الإنسانية التي كانت تفيض منه..
 

فقد ورد أنه في خلال وجوده في خراسان أرسل برسالة إلى ولده الإمام الجواد(ع) والموجود في المدينة، ونحن نعرف مدى بعد المسافة بين المدينة وخراسان وحيث لم تكن وسائل نقل واتصالات حديثة.. كان الهدف منها أن ينبهه إلى أمر أقلق الإمام(ع) عندما علم به وهو أن الموالي الذين يرافقون الإمام الجواد(ع) كانوا إذا أراد أن يخرج من بيته يخرجونه من باب خلفي خشية أن يراه الناس الذين كانوا يتجمعون عند الباب الرئيسي لبيت الإمام(ع) رغبة بعطاياه وهو من أهل بيت كانوا مقصداً للفقراء والمساكين وذوي الحاجة، وقد وصفهم الله سبحانه بأنهم: {وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِيناً وَيَتِيماً وَأَسِيراً * إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لَا نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزَاءً وَلَا شُكُوراً}..
 

وبالطبع لم يكن ذلك بتوجيه الإمام(ع) ولا برغبة منه، بل كان سوء تصرف من الموالي، فكتب له فيها: "فأسألك بحقي عليك يا أبا جعفر (وهي كنية الإمام الجواد)، لا يكن مدخلك ومخرجك إلاّ من الباب الكبير إذا ركبت، فليكن معك ذهب وفضّة، ثمّ لا يسألك أحدٌ إلاّ أعطيتَه.. إنّي أريد أن يرفعك الله، فأنفِقْ ولا تخشَ مِن ذي العرش إقتاراً".. فقد قال الله سبحانه: {مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضاً حَسَناً فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافاً كَثِيرَةً}..
 

لقد أراد الإمام(ع) من خلال هذه الرسالة أن يلفت إلى حقيقة هي أنه لا يكفي للإنسان أن يعطي هو وأن يبذل الخير، بل لا بد له أن يبذر بذور الخير في أولاده وأن يعمق فيهم حب العطاء وروح الخير.
 

لذا نجده يتابع ولده في هذا السلوك، وعندما علم أن هناك من قد يقف حجر عثرة في طريقه نراه يسارع إلى إرساله رسالة ليلفته إلى ما قد يكون خفي عنه وهذه التربية هي أحوج ما نكون إليها حتى نبني مجتمعاً لا يعيش الأنانية التي هي سبب أكثر مشاكلنا وتوتراتنا وضعفنا وتخلفنا..
 

فلنتعلم من الإمام(ع) متابعة ولده فهو لم تشغله عنه كل المسؤوليات الكبيرة الملقاة على عاتقه وكان دائماً واعياً لمعنى الآية الكريمة: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَاراً وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلَائِكَةٌ غِلَاظٌ شِدَادٌ لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ} {إِنَّ الْخَاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَلَا ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ}.
 

وقد ورد عن أحد أصحاب الإمام(ع) أنه قال: كنت مع الإمام حين كان يتفقد مزرعة له فرأى شاباً غريباً مع عماله، فسأل عنه؛ فقالوا له: يعاوننا ونعطيه شيئاً، فقال: قاطعتموه على أجرته؟ قالوا: لا، هو يرضى منّا بما نعطيه.. فغضب الإمام(ع) غضباً شديداً، وقال: إني قد نهيتكم عن مثل هذا، أن يعمل معكم أحد حتى تقاطعوه على أجرته.. ثم قال: "أعلم أنه ما من أحد يعمل لك شيئاً بغير مقاطعة، ثم زدته لذا الشيء ثلاثة أضعاف أجرته إلا ظنَّ أنك قد نقصته أجرته، وإذا قاطعته ثم أعطيته أجرته حمدك على الوفاء فإن زدته حبة عرف ذلك ورأى إنك زدته"..
 

لقد أراد الإمام(ع) للمجتمع الإسلامي أن يقي نفسه من المشاكل التي يحدثها عدم الوضوح في التعامل بحيث يعرف كل حقوقه وواجباته حتى لا تضيع الحقوق وتتم المسؤوليات بحذافيرها.
 

وفي سيرته أنه دعا يوماً بمائدة فلما اكتملت أصنافها وجلس عليها كل من كان معه من القادة والوزراء وكبار القوم، وكان ذلك في أول توليه لولاية العهد أصر الإمام(ع) على عدم الجلوس حتى يدعى إليها كل من كان يقوم بخدمته حتى البواب والسائس للخيل، فقال له حينها أحد أصحابه: لو عزلت لهؤلاء مائدة، فموقعك كإمام للمسلمين وكونك ولياً للعهد وموقع جلسائك من المقامات العالية لا يتناسب والجلوس على نفس المائدة مع هؤلاء الذين لا يساوونك ويساوونهم في الموقع الاجتماعي.. فلو وضعت لهؤلاء مائدة يجلسون عليها.. فقال لهم الإمام(ع): "مه (ما هذا الكلام) إن الربّ تبارك وتعالى واحد، والأم واحدة، والأب واحد والجزاء بالأعمال"..
 

لقد أراد الإمام(ع) من خلال سلوكه هذا أن يركز القاعدة القرآنية وهي أن الموقع أي موقع دينياً سياسياً اجتماعياً مالياً ليس سبباً للتفاضل بين الناس أو للترفع عليهم، وأن التفاضل لا يكون بمقدار إخلاص كل للعمل الذي يقومون به كبيراً كان العمل أو صغيراً، وفي ذلك قوله: {إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ} ولذلك كان يرى من الطبيعي أن يجالس الفقراء..

ونقف أخيراً في موقف له أشار إليه أحد أصحابه، وهو اليسع بن حمزة، قال: كنت في مجلس أبي الحسن الرضا(ع) وقد اجتمع إليه خلق كثير يسألونه عن أمور دينهم، إذ دخل عليه رجل، فقال السلام عليك يا ابن رسول الله، وبدون مقدمات قال له: افتقدت نفقتي وما معي ما أبلغ به مرحلة، فإن رأيت أن تنهضني إلى بلدي ولله علي نعمة فإذا بلغت بلدي تصدقت بالذي توليني عنك، فلست موضع صدقة، فقال له اجلس حتى يتفرق الناس، ثم دخل إلى حجرته وأتى بصرة فيها مبلغ من المال أزيد مما يحتاج فيه الرجل وأعطاها له من وراء الباب.. ثم قال له: استعن بها في مؤونتك ونفقتك، وتبرك بها ولا تتصدق بها عني، واخرج فلا أراك ولا تراني، ثم خرج..
 

هذا وكما تذكر السيرة استغرب أحد أصحاب الإمام(ع) الجالسين عنده، أن يستر الإمام وجهه عن الرجل عندما أعطاه المال.. هذا قد يكون طبيعياً لو كان المال قليلاً استحياء من هذا الرجل ولكنه أعطاه كثيراً.. لذا قال له جعلت فداك لقد أجزلت ورحمت فلماذا سترت وجهك عنه، فقال مخافة أن أرى ذل السؤال في وجهه لقضائي حاجته.. لا أريد أن أراه ذليلاً لأني تصدقت عليه.. أما سمعت حديث رسول الله (ص): المستتر بالحسنة تعدل سبعين حجة، والمذيع بالسيئة مخذول، والمستتر بها مغفور له..
 

هذا غيض من فيض السمو الإنساني الذي بلغه الإمام(ع) في البذل والعطاء والحب للناس.. ففي منطق الإمام(ع) لا يمكن للإنسان أن يكون مؤمناً حتى يفيض على الآخرين عطاءً وخيراً وإنسانية، بحيث يكون كالشمس التي تشرق على الناس بالنور والمطر الذي ينزل عليهم بالخير والينابيع التي تترك خصباً حيثما تمر، وهذا ما عبرت عنه كلمته، فهو سئل من أحسن الناس معاشاً قال: "من حسن معاش غيره في معاشه".. ومن أسوأ الناس معاشـاً؟ أجاب: "من لم يعش غيره في معاشه".. ثم قال: إن شر الناس هو من منع رفده وأكل وحده هو من كان أنانياً لا يفكر إلا بنفسه ولا يشعر أن عليه أن يسبغ بوجوده خيراً على الآخرين.
 

لذلك إحياؤنا لهذه الذكرى يتحقق عندما نعيش كل هذا الفيض الإنساني الذي عاشه الإمام الرضا(ع) والذي به بلغ القلوب والعقول.. لقد اعتدنا أن نحيي ذكريات أهل البيت(ع) بإقامة الاحتفالات والمآدب وبزيارتهم وإقامة الموالد في الأفراح والمآتم عند الأحزان، و لا بأس من ذلك ففيه بركة ولكن هذا الإحياء لن يحقق هدفه إلا إذا آمنا بمنطق الإمام(ع)، فهو عندما سئل: وكيف نحيي أمركم؟ قال: "أن يتعلم علومنا ويعلمها الناس، فإن الناس لو علموا محاسن كلامنا لاتبعونا".

في هذه الذكرى لنتوجه إليه ونعاهده بأن نكون على صورته ومثاله في هذه الحياة لنكون جديرين بانتمائنا إليه وولائنا له وأن كون زيناً له لا شيناً عليه.. وسائلين الله أن نحظى بزيارته في الدنيا وبشفاعته في الآخرة وذلك هو الفوز العظيم...

 

 

الخطبة الثانية

 

عباد الله، أوصيكم وأوصي نفسي بالأخذ بالمواصفات التي أشار إليها الإمام الرضا (ع) في حديثه عن المؤمن، حين قال: "الخيرُ منه مأمول، والشَّرُّ منهُ مأمونٌ، يستكثِرُ قليلَ الخير من غيره، ويستقلُّ كثير الخير من نفسه، لا يسأمُ من طلب الحوائج إليه، ولا يملُّ من طلبِ العلم طولَ دهرِه، الفقرُ في الله أحبّ إليه من الغنى، والذُّلُّ في الله أحبُّ إليه من العِزُّ في عدوّه، والخمولُ أشهى إليه من الشُّهرةِ".

 

ثم قال: "العاشِرةُ! وما العاشِرَةُ!" (وفي هذا التعبير إشارة منه إلى أهميّة هذه الصّفة)، ثم قال: "لا يرى أحداً إلّا قال: هو خيرٌ منّي وأتقى. إنّما الناسُ رجُلانِ: رجلٌ خيرٌ منه وأتقى، ورجلٌ شرُّ منهُ وأدنى، فإذا لِقيَ الذي شرٌّ منه وأدنى قال: لعلَّ خيرَ هذا باطنٌ وهو خيرٌ له، وخيري ظاهر وهو شرٌّ لي، وإذا رأى الذي هو خيرٌ منه وأتقى تواضع له ليلحَقَ به. فإذا فعل ذلك، فقد علا مجدُهُ وطابَ خيرهُ وحسُنَ ذِكرُه وساد أهل زمانه".
 

لقد أراد الإمام الرضا (ع) أن يغير الصّورة الشائعة بين الناس عن المؤمن، بأنه هو من يصلّي ويصوم ويحجّ ويزكّي ويخمّس، وإن لم يكن له أيّ دور في حياة الناس، فصفات المؤمن أبعد من ذلك، فهو من كان خيراً لنفسه، فلا يكتفي بالقليل لها من العمل، وهو خير للآخرين من حوله، ولا يرى في الآخرين إلا الإيجابيات.
 

إنَّنا أحوج ما نكون إلى تبديل تلك الصّورة، حتى نستعيد الثقة بهذه الصفة، صفة الإيمان، بعدما اهتزَّت حتى صارت صورة المؤمن تتَّسم بالأنانية والفساد أو التكبر أو سوء الظن بالآخرين.
 

ومتى وعينا ذلك، فإننا سنستعيد الثقة بالمؤمنين. وبذلك، نقدر على مواجهة التحديات الكبيرة التي تواجهنا.
 

لبنان

والبداية من لبنان، الَّذي لا يزال يعيش فيه اللبنانيون على وقع هبّة تفاؤل تعدهم بقرب تأليف الحكومة، وتعبر عنها تصريحات رئيس الحكومة المتفائلة، وما صدر عن مجلس الأمن، وبالإجماع، بدعوته القوى السياسية إلى ضرورة الإسراع بتأليف الحكومة، وفي الوقت نفسه، يعيشون على وقع هبة تشاؤم تشي، وبالوقائع، بأنَّ العقد التي تسبَّبت سابقاً في تأخير هذا التأليف، ما ظهر منها أو بطن، لا تزال على حالها من دون أن يتغيَّر موقف أي طرف.. وأن الانتظار هو الذي يطبع المرحلة، وما على اللبنانيين إلا الصبر والانتظار، وأن فسحات التفاؤل تبدو ضرورية لإبقاء الأمل في نفوسهم.

ونحن في هذا المجال، سنبقى ندعو القوى السياسية إلى ضرورة الإسراع في الخروج من حال المراوحة هذه، حتى لا يفقد الناس ثقتهم بها وبوطنهم.


العلاقات مع سوريا

في هذا الوقت، تبرز إلى الواجهة قضيَّة العلاقات اللبنانية مع سوريا بعد التغيّرات التي حصلت في هذا البلد، والتي تشير إلى بدء خروجه من أزمته، وهي تحمل العديد من الملفّات التي لا بدَّ من أن تعالج، كملفّ النازحين السوريين، الَّذي يثير بتبعاته هواجس اللبنانيين جميعاً، وفتح الحدود والنقل البري والعديد من الملفات، حيث يدور الجدل بين من يرى إبقاء هذه القضية في الإطار الأمني وعدم الدخول في الإطار السياسيّ ريثما تنضج التسوية السياسية الداخلية في سوريا ومع الجامعة العربية، ومن يرى ضرورة الإسراع في حلِّها سياسياً، نظراً إلى الآثار السلبيَّة لعدم حلّها في مصالح لبنان واللبنانيين، ولا سيما أنَّ التسوية ستحصل عاجلاً أو آجلاً، في ظل التوافق الدولي على ضرورة إنهاء الأزمة السورية.
 

ونحن في هذا المجال، وبصرف النظر عن الموقف السياسي لهذا الفريق أو ذاك تجاه ما حصل في سوريا أو ما يحصل، نرى ضرورة التعامل مع هذا الأمر من باب الواقعية السياسية والمصلحة الوطنية، حيث لن تعالج أيّ من الملفات من الباب الأمني فقط، بل لا بد من أن تواكب سياسياً، وإذا كان هناك من لا يزال يتحدّث عن مدى شرعية هذا النظام أو عدم شرعيته، فليترك تحديد هذا الأمر للشّعب السوري الذي يبقى صاحب القرار الأول والأخير، وليتطلع اللبنانيون إلى مصلحتهم في معالجة كل الملفات العالقة، والتي إن لم تعالج، فسيكون لبنان هو الخاسر الأكبر فيها.
 

زراعة الحشيشة

وفي هذا الوقت، يستمرّ الجدل حول زراعة الحشيشة بعد مطالبة مرجعيات وقوى سياسية بتشريعها لأغراض طبية، لآثارها الإيجابية في الوضع الاقتصادي للمنطقة. ونحن في هذا المجال، نقف مع كلِّ ما يساهم في تعزيز الوضع الاقتصادي لهذه المنطقة وتحقيق الإنماء فيها، لكن لا بد من دراسة الآثار السلبية التي قد تنعكس على الواقع الاجتماعي، بعد وضوح الخطر من تفشي آفة المخدرات، حيث لن يكون سهلاً ضبط عدم الاستخدام الشّخصي لهذه الآفة أو تسويقها ووصولها إلى الشباب وانتشارها.

 

ونحن سنبقى نؤكّد أنَّ الحلَّ الأسلم في البقاع هو بتعزيز الخدمات فيه، وحل مشكلاته المستعصية على المستوى الإنمائي، وتعزيز الزراعات البديلة التي وعد أهل البقاع بها، ولم تقم الدولة حتى الآن بواجباتها تجاههم.
 

سوريا 

ونصل إلى سوريا الَّتي تتابع فيها الدَّولة فرض سيادتها في أكثر من منطقة، وخصوصاً في الجنوب، حيث يزداد القلق من الجهات التي لا تريد لسوريا أن تخرج من معاناتها، وأن تستعيد دورها. لذا، كانت المجزرة المروعة التي ارتكبت في السويداء، وأودت بحياة عشرات الضحايا من المدنيين، وكذلك إسقاط الطائرة السوريَّة من قبل العدو الصهيوني، والقصف الذي تعرضت له أكثر من منطقة.

 

إنَّنا نرى أنَّ كلّ هذه المحاولات التي تجري، سواء من العدوّ الصهيونيّ أو من القوى التكفيرية، لن تصل إلى نتيجة، بعدما أصبح واضحاً للسوريين أن لا خيار لهم إلا بتوحيد جهودهم والتعاون فيما بينهم لطيّ صفحة الماضي المؤلم، لإخراج بلدهم من أن يكون لعبة بيد الكبار، أو أن يكون ساحة من ساحات الصراع فيما بينهم.
 

فلسطين

وبالانتقال إلى فلسطين المحتلّة، تستمر الاعتداءات ويستمرّ الحصار على غزة والتحكم بالمعابر وفق المزاجية الصهيونية المتذرّعة بالطائرات الورقية وغيرها.

 

إنّنا نشدّ على أيدي الشّعب الفلسطينيّ الذي لا يزال يقف متحدياً مشاريع العدو، ببطولته المعهودة، رغم كل ما يعانيه من ضغوط من الداخل والخارج.. وكان التعبير عن ذلك يوم أمس في العملية التي جرت في الضفة الغربيّة.
 

خسوف القمر

وأخيراً، ننتظر مع كلّ العالم حصول ظاهرة كونيَّة هي أطول خسوف يشهده العالم في القرن الحادي والعشرين، ويُسمى القمر الدموي، وسيبدأ في لبنان عند الساعة الثامنة والثلث ليلاً من مساء الجمعة، ويستمر حتى ما بعد منتصف الليل.. هذه الظاهرة تدعونا إلى القيام بواجبنا الشرعيّ بتأدية صلاة الخسوف في هذه الليلة، لنحسَّ بضعفنا بين يدي الله، ولنتقوى به وهو خير من نتقوى به، ولنتذكّرَ موقفنا عنده حيث الخسوف الأكبر الذي أشار إليه تعالى: {فَإِذَا بَرِقَ الْبَصَرُ * وَخَسَفَ الْقَمَرُ * وَجُمِعَ الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ * يَقُولُ الْإِنْسَانُ يَوْمَئِذٍ أَيْنَ الْمَفَرُّ}.

فلنسأل الله الرأفة والرحمة والرضوان.

 

المكتب الإعلامي لسماحة العلامة السيد علي فضل الله

التاريخ : 15ذو القعدة 1439هـ  الموافق : 27تموز 2018م