لا تكتفوا بجعل القرآن مهراً، أو هدية عن روح ميت، أو مجرد زينة على الرفوف بل المطلوب أن يصبح القرآن هاجسنا ودروسه حاضرة في بيوتنا ونوادينا
إنّ أجمل ما في حبّ الله، أنّه حبّ لا ينضب، بل يسمو ويزداد كلّما ازداد الإنسان معرفةً بالله
لكلّ فتنة وَقود وحطب، هم الّذين تلتبس عليهم الأمور، أو الذين يسارعون للاستجابة لعصبياتهم وحساسياتهم وجهلهم، وهم وحدهم ـ للأسف ـ الذين يدفعون الثمن عندما تشتعل نار الفتنة، ويغيب الآخرون ليختفوا خلف الستار
الإيمان يُعرف عند الفقر، لكنّه يُعرف أكثر عند اليُسر والغنى.. والإيمان لا يُعرف عند هدوء الشّهوة وخمودها، بل عند فورانها
 حبّ الله هو أساس قيمة الحبّ، فلا يمكن أن يبتدئ الحبّ إلا من خلال حبّنا لله

بين الشّيطان والإنسان: عداوة وامتحان

الجمعة, حزيران (يونيو) 14, 2019

ألقى العلامة السيّد علي فضل الله، خطبتي صلاة الجمعة، من على منبر مسجد الإمامين الحسنين(ع) في حارة حريك، بحضور عددٍ من الشخصيّات العلمائيّة والسياسيّة والاجتماعيّة، وحشدٍ من المؤمنين، ومما جاء في خطبتيه:

 

الخطبة الأولى

قال الله سبحانه وتعالى في كتابه العزيز: {وَلَقَدْ صَدَّقَ عَلَيْهِمْ إِبْلِيسُ ظَنَّهُ فَاتَّبَعُوهُ إِلَّا فَرِيقاً مِنَ الْمُؤْمِنِينَ * وَمَا كَانَ لَهُ عَلَيْهِمْ مِنْ سُلْطَانٍ إِلَّا لِنَعْلَمَ مَنْ يُؤْمِنُ بِالْآَخِرَةِ مِمَّنْ هُوَ مِنْهَا فِي شَكٍّ وَرَبُّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ حَفِيظٌ}. صدق الله العظيم.

 

عداوة أبديّة

يخبرنا الله عزّ وجلّ في قصّة الخلق، أنه عندما خلق آدم ليكون خليفته في الأرض، أمر الله الملائكة بالسجود له، تكريماً وتعظيماً لهذا المخلوق، إلا أنّ إبليس، بسبب تكبّره وتعصّبه، رفض السجود لما أمره الله به، حتى لو أدّى إلى طرده من رحمة الله عزّ وجلّ: {قَالَ يَا إِبْلِيسُ مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ أَسْتَكْبَرْتَ أَمْ كُنْتَ مِنَ الْعَالِينَ * قَالَ أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ * قَالَ فَاخْرُجْ مِنْهَا فَإِنَّكَ رَجِيمٌ * وَإِنَّ عَلَيْكَ لَعْنَتِي إِلَى يَوْمِ الدِّينِ}.

 

وأصرّ إبليس على هذا العداء، وأكمل معركته، وهو لم يكتف بالعداء لآدم ومعه حوّاء، عندما سوّل لهما بالأكل من الشجرة التي نهاهما الله عنها وأخرجهما بسببها من الجنّة، بل أعلن العداء لكلّ أولاد آدم، وعلى امتداد الزمن، وهذا ما عبَّر عنه عندما قال: {قَالَ فَبِمَا أَغْوَيْتَنِي لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ * ثُمَّ لَآَتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ وَعَنْ شَمَائِلِهِمْ وَلَا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ}.

 

وفي آية أخرى: {فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ * إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ}.

وطلب من الله أن يتركه إلى يوم القيامة ليتابع عداءه: {رَبِّ فَأَنْظِرْنِي إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ * قَالَ فَإِنَّكَ مِنَ الْمُنْظَرِينَ}.

 

لماذا خُلِق إبليس؟!

وهنا حقيقة لا بدّ من الإشارة إليها، وهي أنّ الله عزّ وجلّ عندما خلق إبليس، لم يخلقه للإغواء وليوسوس في قلوب النّاس، حتى يقال لماذا خلق الله الشيطان وهو يعلم ما هو مشروعه وحقيقة أهدافه؛ هو خلقه ليطيعه ويعبده، فهو من الجنّ الذين أشار الله إلى دورهم عندما قال: {وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ}. وقد هيّأ الله له كلّ سبل الهداية، وأمدّه بكلّ وسائلها، فعبد الله ستّة آلاف سنة، حسب المرويّات، وهذا ما أشار إليه عليّ (ع) عندما قال: "فاعتبروا بما كان من فعل الله بإبليس، إذ أحبط عمله الطّويل وجهده الجهيد الجميل، وكان قد عبد الله ستّة آلاف سنة، لا يُدرَى أمِن سني الدنيا أم مِن سني الآخرة عن كِبَر ساعة واحدة".

 

فإبليس أضاع كلّ عبادته عندما عصى الله بتكبّره وتجبّره على خالقه، وكان عصيانه باختياره وإرادته. فالله سبحانه وتعالى عندما خلق الجنّ والإنس، اقتضت حكمته أن يمنحهم الاختيار، فاختار بعضهم الضّلال، واختار آخرون الهداية.

وإبليس هو واحد ممن لم يكتف باختيار الضَّلال، بل اختار السَّعي في إضلال النَّاس، وهو استفاد من خصائص خلقيّة تكوينيَّة يملكها هو وبنو جنسه، وهي التي أشار إليها الله عندما قال: {يَرَاكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لَا تَرَوْنَهُمْ}، فإبليس ومن معه من الجنّ يملكون القدرة على التحرّك من دون أن يشعر بهم النَّاس، فهو يرانا ولا نراه.

 

حقيقتان حول إبليس

ونحن، أيّها الأحبَّة، لا نملك تصوّراً دقيقاً عن الآليّة والكيفيّة التي يوسوس من خلالها إبليس للإنسان، وإن وجدت اجتهادات وآراء حول ذلك، فهي غير متكاملة علميّاً. ولكن ما يهمنا في هذا الإطار نقطتان أكّدهما القرآن بما لا يقبل الشّكّ؛ أوّلاً، أنّ الشيطان، كما ذكرنا، إنّما هو مخلوق لديه القدرة على الوسوسة، (فهو الوسواس الخنّاس)، لديه القدرة على بثّ الأفكار والمرغّبات والمرهّبات والأماني في الإنسان.

 

وثانياً، وهو الأهمّ، أنّ الشّيطان لا يملك قدرة أو سلطة غير هذه الوسوسة، فإن كان من تأثير للشّيطان في الإنسان، فهذا لا يفقد الإنسان قابليّة الاختيار، وتبقى المسؤوليّة على عاتقه، وسيُحاسَب هو على الانجرار وعدم التّمييز، ولإبليس حساب آخر. إذاً، سلطة إبليس ليست حتميّة وقدريّة أو لا مفرّ منها، وإلا لم يكن الله العادل ليحاسب أحداً وقع في فخّ إبليس.

وهذا ما قاله الله للشَّيطان بكلّ وضوح: {إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ إِلَّا مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْغَاوِينَ}، {إِنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطَانٌ عَلَى الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ * إِنَّمَا سُلْطَانُهُ عَلَى الَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَهُ...}.

 

والمفارقة في عمل الشّيطان، أنّ الإنسان دائماً هو الذي يبدأ السَّير نحوه، وهو من يسمح له بالدخول إلى روحه ونفسه وإرادته وقراراته، ولو أراد الإنسان أن لا يسمح له بالدخول إلى حياته لاستطاع، وهذه الصّورة هي التي يدافع بها الشّيطان عن نفسه يوم القيامة: {وَقَالَ الشَّيْطَانُ لَمَّا قُضِيَ الْأَمْرُ إِنَّ اللهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ وَوَعَدْتُكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ وَمَا كَانَ لِي عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ إِلَّا أَنْ دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي فَلَا تَلُومُونِي وَلُومُوا أَنْفُسَكُمْ}.

 

تمحيص وامتحان

وفق هذا المنظار، لا يعود في سؤال البعض عن الغاية من خلق إبليس أو إمهاله إلى يوم البعث، كما أسلفنا، أيّ تعقيد. فوساوس الشَّيطان ليست جبراً أو قهراً على بني آدم، وإنما هي تمحيص وامتحان لهم لإظهار صدق إيمانهم من عدمه، وهو ما لا يتمّ إلا إذا تعرّضوا للامتحان، فوساوس الشّيطان هي إحدى طرائق امتحان الله تعالى للنَّاس كما هي وساوس النَّفس.

 

وإلى هذا الامتحان أشار الله: {أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آَمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ * وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ}.

 

نعم، فقوى الإنسان وقابليّاته الروحيّة والأخلاقيّة والفكريّة، لا تتحوَّل إلى حقائق واقعيَّة، ولا تظهر، إلا عندما يواجه ابتلاءات تحمل كلّ عناصر الشّرّ، وتستفزّ فيه كلّ قابليّات الخير، وبذلك يكون اختياره لطريق الخير عن قناعة وتمحيص. ولكنَّ الله سبحانه وتعالى، وهو يعطي الشّيطان هذه الحريّة، لم يترك الإنسان بلا سلاح، بل حذَّره أيّما تحذير من الشَّيطان عندما قال: {إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوّاً إِنَّمَا يَدْعُو حِزْبَهُ لِيَكُونُوا مِنْ أَصْحَابِ السَّعِير}، وقال: {وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ}، وقال سبحانه: {يَعِدُهُمْ وَيُمَنِّيهِمْ وَمَا يَعِدُهُمُ الشَّيْطَانُ إِلَّا غُرُوراً}، وأمدَّه بالعقل الذي يميِّز به بين الصّالح والسيّئ، وأرسل الرّسل والرّسالات من أجل توجيه الناس وتنبيههم إذا ما انحرفوا أو أضاعوا الطريق الذي يقيهم من غواية الشّيطان، ويرشدهم إلى ما يعينهم على مواجهة تسويلاته وخداعه.

 

مثلاً: في القرآن الكريم، يحذِّر الله الإنسان، ويفصّل في المنافذ التي ينفذ من خلالها الشّيطان، والسّبل التي يتحرّك من خلالها، فيقول عزّ وجلّ: {الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُمْ بِالْفَحْشَاءِ}، وقال سبحانه: {وَقُلْ لِعِبَادِي يَقُولُوا الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ الشَّيْطَانَ يَنْزَغُ بَيْنَهُمْ}.

 

وقال عزَّ وجلَّ: {إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللهِ وَعَنِ الصَّلَاةِ فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ}.

وفي حديث نبويّ: "يقول إبليس لجنده: ألقوا بينهم البغي والحسد، فإنهما يعدلان قريباً من الشِّرك".

وفي الحديث: "الشيطان موكل به (بالإنسان)، يمنّيه التّوبة ليسوّفها، ويزيّن إليه المعصية ليرتكبها".

 

سبل الوقاية

وقد بيّن الله سبحانه الوقاية من وساوس الشّيطان، وعندما دعاه إلى ذكره قال: {وَمَنْ يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمَنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَاناً فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ}.

والاستعاذة به عليه: {قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ * مَلِكِ النَّاسِ * إِلَهِ النَّاسِ * مِنْ شَرِّ الْوَسْوَاسِ الْخَنَّاسِ * الَّذِي يُوَسْوِسُ فِي صُدُورِ النَّاسِ * مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ}.

وقد ورد عن الإمام الصّادق (ع): "قال إبليس: خمسة أشياء ليس لي فيهنّ حيلة وسائر الناس في قبضتي: من اعتصم بالله عن نيّة صادقة واتّكل عليه في جميع أموره، ومن كثر تسبيحه في ليله ونهاره، ومن رضي لأخيه المؤمن بما يرضاه لنفسه، ومن لم يجزع على المصيبة حين تصيبه، ومن رضي بما قسم الله له ولم يهتمّ لرزقه على حساب دينه". وهناك تفاصيل كثيرة ينتظر فيها إبليس على دروب الحياة وعلى مفارق طرقاتها وعلى المنعطفات تحديداً، يتربَّص بالإنسان في لحظات ضعفه أو اتخاذه قرارات أو مواقف، وإبليس باله طويل طويل، لا يملّ أو يكلّ، يدخل من ألف باب وباب، وخصوصاً من الأبواب غير المتوقّعة.

 

الشّيطان ضعيف

أيّها الأحبَّة:

لقد أوضح الله لنا حقيقة قدرات الشيطان عندما قال: {إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطَانِ كَانَ ضَعِيفاً}، فليس هو بالقوَّة التي نتصوَّرها، إنّه يستغلّ ضعفنا وجهلنا وغفلتنا، ونحن قادرون عليه بتمثّلنا بالعابدين الصَّادقين والمخلصين والذّاكرين والشّاكرين لله والباذلين.

ودعاؤنا: "اللّهمّ إنّا نعوذ بك من نزعات الشَّيطان الرَّجيم وكيده ومكائده، ومن الثّقة بأمانيه ومواعيده وغروره ومصائده، أو أن يحسن عندنا ما حسن لنا، أو أن يثقل علينا ما كره إلينا.. اللَّهمَّ اجعل آباءنا وأمَّهاتنا وأهالينا وذوي أرحامنا وقراباتنا وجيراننا من المؤمنين والمؤمنات، في حرزٍ حارز، وحصنٍ حافظ، وكهفٍ مانع، وألبسهم منه جنناً واقية، وأعطهم عليه أسلحة ماضية".

 

الخطبة الثانية

عباد الله، أوصيكم وأوصي نفسي بأن نتذكَّر ما جرى في معركة حنين؛ هذه المعركة التي حصلت في العاشر من شهر شوال من العام الثامن للهجرة، بعد فتح مكَّة، يوم تحالفت قبيلتا هوازن وثقيف على مواجهة رسول الله (ص)، فقرَّر التصدّي لهذا الحلف، وجاء إليه بجيش كبير يفوق الجيش الذي قدم به لفتح مكّة.

 

في ذلك اليوم، أُعجب المسلمون بعديدهم وعدّتهم، ما دفعهم إلى الاستهانة بالعدوّ، وعدم التبصّر جيداً بمكائده وخططه، وهو من كان خطّط لهذه المعركة، وكان يراها معركة فاصلة في تاريخ الإسلام. لقد فوجئ المسلمون باستعدادات العدوّ، وما أعدّه لهم من كمائن وتعزيزات، فولّوا مدبرين، سوى قلة من المؤمنين بقيادة رسول الله (ص) ثبتت وحوَّلت الهزيمة إلى نصر.

 

يومها، نزلت هذه الآيات على رسول الله (ص)، لتبيّن للمسلمين نقطة الضّعف التي أدّت إلى ما حصل لهم، فقالت: {وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئاً وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ * ثُمَّ أَنْزَلَ اللهُ سَكِينَتَهُ عَلَى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَأَنْزَلَ جُنُوداً لَمْ تَرَوْهَا وَعَذَّبَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَذَلِكَ جَزَاءُ الْكَافِرِينَ}.

 

لقد أراد الله تعالى أن يحذِّر من حالة الاغترار بكثرة العدة والعدد، والغفلة عن التخطيط الدّقيق والمدروس، فالنّصر قوامه التّخطيط بعد التوكّل على الله والاستناد إليه، وهذا ما نحتاجه لتحقيق الانتصارات في كلّ الميادين ومواجهة التحديات.

 

سجالات تهدِّد الوحدة

والبداية من لبنان، الذي يستمرّ المجلس النيابي فيه بمناقشة الموازنة، حيث يترقّب اللبنانيون نتائج هذا النقاش، وما إذا كان ممثلوهم في المجلس النيابي سيفون بما وعدوا به، بأنّ العجز في الخزينة لن يسدّ من جيوب الفقراء، ولن يؤثّر في النموّ الاقتصادي في البلد.

 

في هذا الوقت، ارتفعت في الأيام الماضية حدّة السجال بين أكثر من موقع سياسي، وكادت تودي بالوحدة الداخلية وبكلّ الإنجازات التي تحقَّقت، بعد أن خرجت من بعدها السياسيّ إلى البعد الطائفي، لولا التصريحات الأخيرة التي ساهمت في تبريد هذه الساحة وتخفيف الاحتقان، وإن كان الأمر يحتاج إلى مزيد من التواصل، بعدما كشف ما حصل عن الحاجة إلى إعادة الثقة بين هذه الأطراف وإزالة الهواجس فيما بينها، وخصوصاً أنه ليس هناك من يريد إعادة عقارب الساعة إلى الوراء، والانقضاض على ما توافق عليه اللبنانيون في الطائف.

 

إنَّنا أمام ما يجري، نعيد التأكيد على كلّ القوى السياسيّة، أن تعي خطورة استمرار هذه السجالات، لآثارها وتداعياتها على قوّة هذا البلد واستقراره، ونشدّد على أنَّ الظرف الدقيق الذي يعيشه لبنان في هذه المرحلة، يستدعي من الأفرقاء السياسيّين العمل الحثيث لطيِّ صفحة الخلافات والمناكفات، والتفرّغ لعلاج المآزق التي يعانيها البلد، سواء على المستوى الاقتصادي أو الاجتماعي أو الأمني، أو في التعامل مع العدوّ الصهيوني الذي يسعى في هذه المرحلة لفرض شروطه فيما يتعلق بالحدود البرية والبحرية، أو فيما يجري على صعيد المنطقة، والذي من الطبيعي أن يترك انعكاساته على الداخل اللبناني.

 

لقد أكَّدنا ونعيد التأكيد، أنّ من حقّ كلّ طائفة أن تكون قوية، وأن تأخذ كامل حقوقها، ولكن لا ينبغي أن يكون ذلك على حساب الطوائف أو المذاهب الأخرى، بل أن تحصل الطوائف والمذاهب كلّها على حقوقها، فشعور أيّ طائفة أو مذهب بالغبن هو مشروع فتنة حاضرة أو مؤجّلة، فلن تسلم طائفة ولا مذهب إن لم يسلم الآخرون.

 

إنَّ البلد أحوج ما يكون إلى الأقوياء، ولكن لا الأقوياء بطوائفهم ومذاهبهم فحسب، بل الأقوياء على مستوى الوطن كلّه، بكلّ طوائفه ومذاهبه.

 

 

ملفّ الجمعيّات والأمن الغذائيّ

في هذا الوقت، برزت إلى الواجهة في الأسبوع الماضي معاناة الجمعيات التي ترعى ذوي الاحتياجات الخاصّة، ما دفع إحدى الجمعيات العاملة في هذا المجال إلى التقليل من تقديماتها والإقفال لاحقاً، وهذا الأمر قد يتكرّر في العديد من المؤسّسات.

إننا أمام هذا الواقع، لا بدّ من أن نطلق الصرخة أوّلاً للدولة التي عليها أن تتحمّل مسؤوليتها الكاملة عن هذه الحالات الصعبة، وألا تتنكّر لواجباتها حيال هذا الملفّ، فهي المسؤولة أولاً وأخيراً عن مواطنيها، في الوقت الذي ندعو المجتمع إلى القيام بدوره في حماية هذه المؤسّسات ودعمها، لتستمر بأداء دورها الاجتماعي والإنساني.

وفي مجال آخر، ليس بعيداً من هذا المجال، تبرز إلى الواجهة قضيّة الأمن الغذائيّ، وتساهل الوزارات والجهات المعنيّة في تمرير الكثير من المنتوجات والمواد الغذائية غير الصالحة، من دون مراقبة صحيّة حقيقية، أو تلك التي يتمّ غض الطرف عنها بشكل مباشر أو غير مباشر.

إنَّ بلداً يعاني كلّ هذا التلوّث في بحره ونهره، وفيما يتناوله الناس من طعامهم وشرابهم، وما يتنشّقونه من هواء، بفعل كلّ هذه الغازات السامّة وأكوام النفايات، ليس غريباً أن يكون في أعلى القائمة على مستوى الأمراض الخطيرة التي تفتك بأهله وناسه، ومن الطبيعي ــ بعد كلّ ذلك ــ أن يتساءل الناس: من يتحمل المسؤوليّة؟ وأين هي الدولة التي ينبغي أن تسهر على أمنهم الغذائي والصحّي والبيئي وما إلى ذلك؟

 

أزمات المنطقة

وأخيراً، يتصاعد التوتر في المنطقة، وآخر تداعياته ما يجري في اليمن، واستهداف الإمدادات والناقلات النفطيّة في الخليج، والذي يأتي بعد الضغوط الأميركيّة المتواصلة التي تستهدف الإطباق على دول المنطقة، بما يتعارض مع القانون الدولي.

إنَّنا في الوقت الَّذي نستغرب السّرعة في كيل الاتهامات للجمهوريّة الإسلاميّة، بعيداً من أيّ أدلة، نعرب عن خشيتنا من استمرار الوضع القائم الذي يفتح الباب لأكثر من طرف للدخول على هذا الخطّ، بما قد يؤدّي ربما إلى انفجار شامل. ونحن في هذه المناسبة، نأمل أن تنجح الوساطات الجارية في التخفيف من حالة التوتر، والمساهمة في إيجاد حلّ للأزمات الحالية، لقطع الطريق على الساعين للفتنة والحرب.