لا تكتفوا بجعل القرآن مهراً، أو هدية عن روح ميت، أو مجرد زينة على الرفوف بل المطلوب أن يصبح القرآن هاجسنا ودروسه حاضرة في بيوتنا ونوادينا
إنّ أجمل ما في حبّ الله، أنّه حبّ لا ينضب، بل يسمو ويزداد كلّما ازداد الإنسان معرفةً بالله
لكلّ فتنة وَقود وحطب، هم الّذين تلتبس عليهم الأمور، أو الذين يسارعون للاستجابة لعصبياتهم وحساسياتهم وجهلهم، وهم وحدهم ـ للأسف ـ الذين يدفعون الثمن عندما تشتعل نار الفتنة، ويغيب الآخرون ليختفوا خلف الستار
الإيمان يُعرف عند الفقر، لكنّه يُعرف أكثر عند اليُسر والغنى.. والإيمان لا يُعرف عند هدوء الشّهوة وخمودها، بل عند فورانها
 حبّ الله هو أساس قيمة الحبّ، فلا يمكن أن يبتدئ الحبّ إلا من خلال حبّنا لله

ولا تسبوا الذين يدعون من دون الله

الجمعة, آذار (مارس) 3, 2017

ألقى سماحة العلامة السيّد علي فضل الله، خطبتي صلاة الجمعة، من على منبر مسجد الإمامين الحسنين(ع) في حارة حريك، بحضور عددٍ من الشخصيّات العلمائيّة والسياسيّة والاجتماعيّة، وحشدٍ من المؤمنين، ومما جاء في خطبتيه:

 
الخطبة الأولى
 

قال الله سبحانه وتعالى في كتابه العزيز: {وَلَا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْواً بِغَيْرِ عِلْمٍ كَذَلِكَ زَيَّنَّا لِكُلِّ أُمَّةٍ عَمَلَهُمْ ثُمَّ إِلَى رَبِّهِمْ مَرْجِعُهُمْ فَيُنَبِّئُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ}

 

الاختلاف بين الناس في التوجهات والأفكار والآراء هو سنّة من سنن الحياة البشرية.. فالناس وإن تلاقوا في الوطن الواحد أو الحي الواحد والعائلة الواحدة ستجد الاختلافات بينهم، ولن تتوحد آراؤهم وأفكارهم وأديانهم ومذاهبهم، حتى ينتقلوا إلى دار الفصل والجزاء.

 

وإلى هذا أشار الله سبحانه وتعالى عندما قال: {وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ * إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ...}.

 

ومن الطبيعي حتى تسلم الحياة البشرية، ولا يتحول هذا الاختلاف القائم إلى توتر ونزاع وقتال، لا بد من وجود ضوابط تحكم العلاقة بين أطراف الخلاف، وهذا الدور هو الذي قام به النبي(ص) استمراراً لأدوار الأنبياء وجهودهم، الذين عملوا بكل جهدهم كي لا يتحول الخلاف إلى نزاع، مع ما قد يترتب عليه.

 

ونحن اليوم سنشير إلى واحدة من أبرز هذه الضوابط التي عمل رسول الله (ص) وأهل بيته (ع) على الدعوة إليها عند الاختلاف، والتي أشار إليها القرآن الكريم في الآية التي تلوناها في مطلع الخطبة {وَلَا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْواً بِغَيْرِ عِلْمٍ كَذَلِكَ زَيَّنَّا لِكُلِّ أُمَّةٍ عَمَلَهُمْ ثُمَّ إِلَى رَبِّهِمْ مَرْجِعُهُمْ فَيُنَبِّئُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ}.

 

فقد تضمنت الآية الكريمة دعوة للمسلمين إلى عدم استخدام الخطاب المستفز والمسيء في التعامل مع الذين يختلفون معهم، حتى لو كان الاختلاف بحجم الاختلاف مع الذين كانوا يعبدون الأصنام من دون الله... فالكلام المسيء والانفعالي في منطق الله يولد كلامًا مسيئًا وانفعاليًا من الجانب الأخر وهذا ما سينعكس سلباً على نفوس المسلمين والذين سيزداد انفعالهم، كيف لا والههم وربهم يساء اليه...و من هنا يتطور النقاش من حوار الى عداوة وبغضاء ولعله يتطور الى الجانب العنفي وحتى إن لم يتطور عنفا فانه يؤدي الى التعصب واقفال العقول والقلوب، لأن من الطبيعي أن يحب كل إنسان ما يؤمن به، ومن الطبيعي أنك عنما تسيء إلى من يحب، فإنه سيسيء إلى من تحب.

 

وهذه الآية هي دعوة إلى التزام المنهج الإلهي في التعامل مع الآخرين لا المشركين فحسب، بل مع كل الذين تختلف معهم، فلا يجوز لك استفزاز الناس من خلال الإساءة إلى رموزهم.. فالإساءة والسب واللعن والكلام المهين لم تحقق يوماً مصلحة دينية ولا دنيوية، ولا كانت الباب الذي يصل به الإنسان إلى قلوب الآخرين وإلى عقولهم.

 

لقد جعل الله السبيل إلى ذلك الكلمة الطيبة المحببة التي تفتح قلوب الآخرين على الحق وتزيل أي توتر في نفوسهم وهي التي أشار إليها الله سبحانه عندما قال: {ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ} {وَلَا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ} {وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْناً} يعني أحسن ما تحبون أن يقال لكم..

 

وهذا المنهج هو الذي اتبعه رسول الله(ص) في كل حياته، فلم يُسمع عنه وهو في قمة التحدي والمعاناة أن سب أو لعن أحداً حتى انه يوما، مر به يهودي فقال له السام عليك، بدل من السلام عليك ويقصد به الموت عليك.. فقال له النبي(ص) وعليك.. هنا ثارت ثائرة عائشة التي شهدت الواقعة فراحت تسب اليهودي وتلعنه.. فقال لها الرسول "هوني عليك إن الرفق ما وضع على شيء إلا زانه ولا رفع عن شيء إلا شانه" "إن الله رفيق يحب الرفق، ويعطي على الرفق ما لا يُعطي على العنف".

 

ليس السب أو اللعن أسلوبنا فكل إناء بالذي فيه ينضح.. قالها رسول الله لا عن ضعف بل من موقع قوة كما كان المسلمون في المدينة المنورة

 

وهذا هو الأسلوب الذي انتهجه علي(ع) في معركة صفين عندما سمع أن أصحابه يسبون أهل الشام، فجاء إليهم ليبين لهم المنطق الذي عليهم أن ينتهجوه في تعاملهم مع العدو في السلم والحرب وفي ظل كل الظروف.. "كفوا عما بلغني عنكم من الشتم والأذى.. فقالوا: ألسنا محقّين؟ قال: بلى، قالوا: ومَنْ خالفنا مبطلين؟ قال: بلى، قالوا: فلِمَ منعتنا من شتمهم؟ فقال:."كرهت أن تكونوا سبّابين..

 

وأما البديل: "ولكن لو وصفتم أعمالهم وذكرتم حالهم كان أصوب في القول، وأبلغ في العذر، ولو قلتم مكان سبكم إياهم: اللهم احقن دماءنا ودماءهم، وأصلح ذات بيننا وبينهم، واهدهم من ضلالتهم حتى يعرف الحق من جهله، ويرعوي من الغي والعدوان من لهج به".

 

فالسب أو اللعن بالخصوص ثمرة حقد يعشش في النفوس، ولا حقد في منطق الإسلام مع المختلف دينياً ومذهبياً وسياسياً.. الحقد الذي ينطلق من القلوب ليتحول إلى كلمات سوداء تستفز الآخر وترفع من درجة عداوته.. الإسلام يريد القلب المحب للآخرين الذين يتحول إلى كلمات طيبات مباركات تفتح قلوب الناس على الحق.

 

وقد قالها(ع) في كلمة لابن عباس "لا يكن أفضل ما نلت في نفسك من دنياك بلوغ لذة أو شفاء غيظ، ولكن إطفاء باطل أو إحياء حق".

 

فلا بد من كلمة طيبة دائماً مع العدو كما مع الصديق ومع المخالف كما مع الحليف لأن الهدف الدائم هو كيف نئد الباطل في قلوب الآخرين لا أن نستفز الآخرين، ولن نئدها إلا بالكلمة الطيبة والحوار، والكلمة الطيبة لا تعني أن لا نقول الحق أو نجاهر به ونعمل في سبيله وانما الكلمة طيبة السبيل والأسلوب الأمثل في إيصال هذا الحق.. وهذا هو أسلوبنا في التربية.. وهذا يحتاج إلى جهد، لأن الإنسان في طبيعته، يحب أن ينفّس عن مكنونات نفسه، ولا سيما عندما يرى الآخر على باطل.

 

لذلك، لا بّد من أن نربي أنفسنا ونصيغ عقولنا ونطهر أرواحنا لتكون شخصيتنا الإيمانية على المستوى الذي ينبغي أن تكون وكما أرادها الله.. هذا الإيمان هو يمنعك أن تسب أو تلعن.. لان هذا هو أسلوب المفلسين أصحاب الحجة الضعيفة.. اما نحن الذين حجتنا  تستمد من وحدانية الله ونبوة رسوله وإمامة اهل بيته فحجتنا قوية متينة لا يجب أن نضعفها ولا يجوز أن نضعف هذه الحجة الرسالية باتباع أسلوب يخالف ما أمرنا به، فالسب والشتم أسلوب الضعفاء.

 

وإذا كان البعض يقول إن اللعن والذي فيه الإساءة لرموز الآخرين، وارد في الأحاديث الواردة عن رسول الله(ص) وأهل البيت أو حتى في القرآن الكريم عندما لعن الله الظالمين والمستكبرين، فإننا في الوقت الذي نبرئ النبي(ص) والأئمة(ع) من أن يستخدموا هذا الأسلوب مع من يخالفهم، وإذا استخدموه، فاستخدامهم له، كما هو استخدام القرآن الكريم، يأتي في إطار التأكيد على حقيقة أن الذين ظلموا أو استكبروا أو كذبوا هم مطرودون من رحمة الله ما داموا على ذلك، لا أنه دعاء عليهم بالطرد من رحمة الله، أو استفزاز لهم. وهنا، قد يعتبر البعض أن التبرؤ من أعداء الله، هو باللعن، وهذا فهم خاطئ، فالتبرؤ هو برفض منطقهم، وعم الأخذ به.

 

أيها الأحبة:

إننا أحوج ما نكون في هذه المرحلة وأكثر من أية مرحلة إلى تعزيز ثقافة الاحترام وتعزيز الوحدة الإسلامية والدينية والوطنية وذلك بالكلمة الطيبة والفكرة المقنعة والسلوك الأحسن، وبذلك نقي أنفسنا من الفتن التي يراد لنا أن نكون لها وقوداً للتقاتل والتفجير والتقسيم وما الى هنالك من واقعنا... ونحن هنا نشدد على أن ما نطلبه من الآخرين ليلتزموا به.. لا بد أن نقوم به.. بل ينبغي أن نكون نحن المبادرين في هذا المضمار، لأننا أصحاب رسالة ودين.

 

وهذا المبدأ هو ما حرص عليه العلماء والمراجع الواعون كالسيد فضل الله (رض) والسيد الخامنئي حفظه الله اللذين رفضا كل الكلمات والمواقف الفتنوية، وجسَّدا هذا الرفض في فتاوى دينية شرعية في حرمة الإساءة إلى الصحابة وأمهات المؤمنين(ع)..

 

وهم في ذلك لم ينطلقوا من مجاراة للآخرين أو من مداراة لهم بل من وعيهم لكلام الله ورسول الله(ص) والأئمة(ع) في دعوتهم إلى عدم السب واللعن والتعرض للرموز الذين نختلف معهم ومقدساتهم ومن وعيهم للواقع وخشيتهم من التداعيات التي تهز كل الواقع، وهذا ما نراه اليوم بأم اعيننا.

 

إننا نريد لهذه الأيام أيام السيدة الزهراء(ع) أن نكون في ذلك كما كانت، وكما كان علي (ع).. فهي رغم الألم والظلم الذي عاشته بعد وفاة رسول الله (ص)، عبرت عن منطقها بالدليل عندما وقفت في مسجد أبيها، لكنها بقيت حريصة على أن لا تحدث أية فتنة في الواقع الإسلامي وهي من هي عند المسلمين.. فهي قالت مع علي(ع) كلمة الحق: "لأسالمن ما سلمت أمور المسلمين".. في عصر الفتن نحن بحاجة إلى من يئد الفتن لا من يسعرها وإلى أن يبرد القلوب لا من يثير كوامن الحقد منها وإلى من يدعو إلى ما دعا إليه الله: {وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعاً وَلَا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَاناً وَكُنْتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آَيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ}..

 

اللهم أعنا على أنفسنا بما تعين به الصالحين على أنفسهم، اللهم جنبنا مزالق السوء ومرابض الفتن ودعاة الشر إنك أنت العزيز الحكيم..

 

الخطبة الثانية

 

عباد الله، أوصيكم وأوصي نفسي بما أوصى به رسول الله بضعته السيدة الزهراء (ع)، وهي التي مرت علينا ذكرى وفاتها في هذه الأيام، بناءً على الرواية التي تشير إلى أنَّ وفاتها حصلت في الثالث من جمادى الآخرة.. عندما قال لها: "يا فاطمة، لا تنامي حتى تعملي أربعة أشياء: حتى تختمي القرآن، وتجعلي الأنبياء شفعاءك، وتجعلي المؤمنين راضين عنك، وتعملي حجة وعمرة".

 

استغربت السيدة الزهراء كلام أبيها رسول الله (ص)، وقالت له: "يا أبت، أربعة أشياء لا أقدر في هذه الساعة على أن أفعلها"، فتبسّم رسول الله (ص) وقال لها: "إذا قرأت "قل هو الله أحد" (أي سورة التوحيد) ثلاث مرات، فكأنك ختمت القرآن، وإذا صلّيت عليّ وعلى الأنبياء من قبلي، فقد صرنا لك شفعاء يوم القيامة، وإذا استغفرت للمؤمنين.. وقلت: اللهم اغفر للمؤمنين والمؤمنات الأحياء منهم والأموات، فكلهم راضون عنك، ومن لا يرضى عمن استغفر له، وإذا قلت سبحان الله والحمد لله، ولا إله إلا الله والله أكبر، فقد حججت واعتمرت"، لأنَّ هذه الأذكار من صلب مضمون الحجّ والعمرة، فالحجّ هو إعلان العبوديَّة لله وحده، والثناء عليه، وتنزيهه من كل نقص، والإعلان أنَّ أمره فوق كلّ أمر، ونهيه فوق كلّ نهي.

 

إنّ الأخذ بهذه الوصيَّة، هو أفضل هدية نهديها للزهراء في يوم انتقالها إلى رحاب ربّها في الثالث من شهر جمادى الآخرة. وبالتزامنا بها، نعبّر عن حقيقة ولائنا لسيدة نساء العالمين، وعن حبّنا لمن أعطاها رسول الله كلّ قلبه وعقله، حتى قال: فاطمة ثمرة فؤادي وروحي التي بين جنبي.. وبذلك، نقوى ونواجه التّحدّيات الجسام...

 

لبنان

والبداية من لبنان، الَّذي تستمرّ معاناة إنسانه، وتزداد يوماً بعد يوم في أدنى متطلّبات حياته، في الماء والكهرباء والصّحّة والتعليم والغذاء والمسكن، فهو يلهث باحثاً عنها، وغالباً ما لا يجدها إلا في بلاد الله الواسعة، بعيداً من الأهل والوطن.

 

إنّ الواقع السّياسيّ ما زال على حاله، فبدلاً من أن تجعل القوى السياسية الحاكمة في هذا البلد قضايا المواطنين ضمن أولوياتها، وتخفّف من آلامهم، وترفع من معاناتهم، نراها غارقة في السجالات الانتخابية، والكل يعرض فيها عضلاته، ويرفع أسقفه، ليكسب جمهوراً، ولكنّهم يعرفون أكثر من غيرهم أن الحلول هي نتاج توافقهم، وسيتوافقون في نهاية المطاف، وإذا كان من داعٍ للإخراج، فالحلول تأتي بعد الوصول إلى حافة الهاوية.

 

هذا ما جرى في انتخاب رئيس الجمهورية، وفي تشكيل الحكومة، وهو ما سيجري في القانون الانتخابي، فلن يكون في لبنان، وفي ظلِّ هذا الواقع السياسي، قانون انتخابي يلبّي طموحات اللبنانيين، ويغيّر المشهد السياسيّ القائم، بل سيكون هناك قانون يلبّي احتياجات القوى السياسيّة، ويؤمّن لها البقاء والاستمرار، ويبقى البلد على ما عليه، وإذا كان هناك خوف من الستين أو الفراغ أو التمديد، فقد رُفِعت اللاءات التي ستشكّل بداية العمل للتوافق، وقد بدأ السّعي للوصول إليه.

 

ومن هنا، فإنَّنا ندعو القوى السّياسيّة إلى الإسراع فيما يقدمون عليه الآن، والتفرّغ للقيام بمسؤولياتهم تجاه الوطن والمواطن، فالاستحقاقات التي تنتظر هذا البلد كثيرة.

 

وفي الوقت نفسه، فإنَّنا ندعو إنسان هذا البلد الَّذي يتأفَّف كثيراً وينتقد كثيراً، إلى أن يستعيد دوره، ويكون له حضوره الفاعل، بحيث يشعر الحاكم المسؤول بأنّه أمام شعب يراقب ويدقق ويحاسب عندما يأتي أوان الحساب.

 

في هذه الفترة، عاش اللبنانيون واللاجئون الفلسطينيون معاناة كبيرة، من خلال الأحداث الّتي شهدها مخيّم عين الحلوة، وإن كان ما حصل ليس المرة الأولى، فقد حصلت حوادث كثيرة سابقاً، لكن ما جرى مؤخراً كان أكثر غزارة في النيران، وأكثر اتساعاً في مساحته الجغرافيَّة، بحيث لم تقف تداعياته على المخيم، بل امتدت حتى كادت تغلق الطّريق السّاحلي.

 

ونحن في الوقت الَّذي نأمل أن تكلّل جهود السّاعين إلى إطفاء هذه النار بنجاح، وأن يتمّ الالتزام بما تمّ التوافق عليه في اللقاءات الَّتي جرت بين القوى الفلسطينية، بحيث لا تبقى حبراً على ورق، فإنّنا ندعو كلّ هذه القوى إلى معالجة جذرية لما حصل، حرصاً على أمن هذا المخيَّم وعلى علاقته بمحيطه، حيث يبقى له دوره الّذي وُجِد لأجله، وهو أن يكون حاضناً للشعب الفلسطينيّ، إلى أن تتوافر له الفرصة للعودة إلى فلسطين، وأن يبقى السلاح في الوجهة التي حُمِل لأجلها، وهي الدفاع عن المخيم ممن قد يتعرَّضون له، لا أن يُربك حياة اللاجئين الفلسطينيين وسكان المحيط وأمنهم، أو أن يتوجّس منه الناس، عندما يستخدم لإيصال رسائل لا علاقة للشّعب الفلسطينيّ ولقضيّته بها.

 

إنَّنا نثق بوعي الكثير من القيادات الفلسطينيّة، الَّتي ينبغي أن تتكاتف جهودها من أجل الوقوف في وجه من يريدون تشويه صورة المخيم، وإظهاره بأنه حصان طروادة لمشاريع تُصنع في المنطقة.

 

ونبقى في لبنان، لنلفت إلى الأحداث المؤسفة التي حصلت الأسبوع الماضي في البقاع، في العديد من قُراه، وإن كانت قد تحدث في مناطق أخرى من لبنان، ولكن هذا لا يعطي تبريراً بقدر ما يدعو الفعاليات السّياسيّة والدينيّة والاجتماعيّة والبلديّة والعشائريّة إلى بذل الجهود لمنع تكرار ما حصل، والنّهوض تنموياً بهذه المنطقة التي كانت، ولا تزال، تشكّل خزّاناً للوطن ولجيشه ومقاومته في الدفاع عن قضايا المحرومين والمستضعفين. ونحن نثق بوعي أهالي هذه المنطقة وتكاتفهم وتعاونهم، مما يساهم في إزالة الأسباب التي أدّت وتؤدّي إلى تكرار هذه الحوادث.

 

فلسطين

ونصل إلى فلسطين، لنتوقَّف عند إعلان العدوّ الصّهيونيّ مؤخراً، أنَّ المسجد الأقصى أقدس مكان لليهود، ويحقّ لهم الصّلاة فيه، فيما لا يحقّ لأيّ أحدٍ كان منعهم من الوصول إلى باحاته، وهو يهدف من وراء ذلك إلى تهويد أولى القبلتين وثالث الحرمين.

 

إنَّ هذا القرار يعتبر تحدّياً صارخاً لمشاعر المسلمين. ومع الأسف، نرى أنّه يصدر على مسمع العالم العربيّ ولا يستفزّه. ومن هنا، فإننا ندعو كلّ الشّعوب العربيّة والإسلاميّة إلى مواجهته، ومنع تحوّله إلى أمر واقع، في ظلِّ انشغال الشّعوب العربيّة والإسلاميّة عن قضيّتها الأساس.

 

المكتب الإعلامي لسماحة العلامة السيد علي فضل الله

التاريخ:4 جمادى الآخرة 1438هـ الموافق:3 آذار 2017م