لا تكتفوا بجعل القرآن مهراً، أو هدية عن روح ميت، أو مجرد زينة على الرفوف بل المطلوب أن يصبح القرآن هاجسنا ودروسه حاضرة في بيوتنا ونوادينا
إنّ أجمل ما في حبّ الله، أنّه حبّ لا ينضب، بل يسمو ويزداد كلّما ازداد الإنسان معرفةً بالله
لكلّ فتنة وَقود وحطب، هم الّذين تلتبس عليهم الأمور، أو الذين يسارعون للاستجابة لعصبياتهم وحساسياتهم وجهلهم، وهم وحدهم ـ للأسف ـ الذين يدفعون الثمن عندما تشتعل نار الفتنة، ويغيب الآخرون ليختفوا خلف الستار
الإيمان يُعرف عند الفقر، لكنّه يُعرف أكثر عند اليُسر والغنى.. والإيمان لا يُعرف عند هدوء الشّهوة وخمودها، بل عند فورانها
 حبّ الله هو أساس قيمة الحبّ، فلا يمكن أن يبتدئ الحبّ إلا من خلال حبّنا لله

فضل الله لـ«النهار»: صلة الرحم سعادة وقوة

السبت, حزيران (يونيو) 3, 2017

كعادته في كل عام حدّد سماحة العلامة المرجع السيد علي محمد حسين فضل الله عنوانه للشهر الفضيل، فركّز لهذا العام على صلة الانسان بأرحامه، مشدداً على اهمّية الحفاظ على هذه العلاقة وتوطيدها ورعايتها لما فيه خير الانسان ونجاته من براثن اليأس والضعف. 


 جاء ذلك في حديث خاص لـ النهار، اكّد خلاله سماحة السيد فضل الله ان هناك حاجة في هذه المرحلة فعلاً الى تعزيز علاقة الأرحام، في ظل التفكك الأسري الذي نعيشه، لافتاً الى انه عندما نتحدث عن التواصل مع من هم في دائرة الأرحام نعني الاهتمام لشؤونهم وحاجاتهم ومشكلاتهم ومساعدتهم على تطوير انفسهم، ومشدداً على اننا لا نمانع استخدام وسائل التواصل الحديثة، شرط الا يأتي ذلك على حساب علاقة الانسان بأهل بيته.

 ودعا السيد فضل الله الناس الى أن يدقّقوا اكثر في مصادر معرفتهم، في الدين والسياسة والأخبار وفي كل ما يصلهم، معرباً عن اسفه لـ دخول الغلو الى الدين، ولجو شدّ العصب المذهبي الذي ادخل كل شيء الى الدين بحجة الدفاع عن حقوق هذه الطائفة او تلك!

تفاصيل الحديث مع سماحة السيد فضل الله في الحوار الآتي نصّه:


بدايةً، ما هو العنوان الذي حدّدتموه لشهر رمضان هذا العام؟
 هناك الكثير من العناوين التي ينبغي التركيز عليها، الا اننا اخترنا لهذا العام عنواناً تفصيلياً يتعلّق بالأرحام. فهناك حاجة في هذه المرحلة فعلاً الى تعزيز علاقة الأرحام، في ظل التفكك الأسري الذي نعيشه. فشهر رمضان هو شهر التواصل مع الأرحام بشكل خاص. وقد قال النبي صلى الله عليه وآله ومن وصل فيه رحمه وصله الله برحمته يوم يلقاه. نحن بحاجة لتأكيد هذا العنوان، مع حرصنا على عدم الوصول الى العصبية العائلية والعشائرية بنتيجة ذلك، خصوصاً اننا نؤمن بالدوائر المفتوحة. فنحن نوصي بالتواصل في دائرة الأهل والجيران والوطن والدين والانتماء المذهبي والانساني والديني، لكن ما احب ان نركّز عليه هذا العام هو الجانب الأسري، خصوصاً اننا لطالما كنّا نتميز في واقعنا العربي والاسلامي بالترابط الأسري. اليوم بدأنا نشعر بفقدان هذا الترابط نتيجة اكثر من جانب، منها مثلاً مواقع التواصل الاجتماعي التي تتيح لكل فرد الاستغراق في اطاره الشخصي وعلاقاته الخاصة اكثر من علاقاته داخل بيته. ونحن لا نمانع استخدام وسائل التواصل، شرط الا يأتي ذلك على حساب علاقة الانسان بأهل بيته، والتي وُجدت بوجود الانسان، بفعل قربة الدم، والتي تؤمن الأمان والسلام داخل نفس الانسان. الامام علي عليه السلام يقول: أكرِم عشيرتك فانها يدك التي بها تصول وجناحك التي بها تطير، والاسلام بشكل عام كان حريصاً على صلة الرحم، وكان حريصاً على التنبيه الى المشاكل التي تنشأ من خلال قطيعة الرحم. وعندما نتحدث عن التواصل مع من هم في دائرة الأرحام نعني الاهتمام لشؤونهم وحاجاتهم ومشكلاتهم ومساعدتهم على تطوير انفسهم. نحن بحاجة لهذا الجو عاطفياً ونفسياً.


 لا شكّ بأنك لاحظت ظواهر اجتماعية تستدعي التركيز على صلة الأرحام، منها حالات الانتحار المتزايدة في لبنان وحالات قتل الأرحام. فكيف تفسر ذلك؟
 هذا ناتج عن اليأس. فعندما يشعر الانسان انه يعيش المعاناة وحده وأن ليس هناك حضناً دافئاً يلجأ اليه، وهو في الأساس ينبغي ان يكون حضن الأرحام، قد ييأس من الدنيا. لذلك نؤكّد على ضرورة الحفاظ على الحضن الدافء، العاطفي الذي تؤمنه صلة الأرحام. فالانسان بحاجة لمن يخفف عنه، لمن يقف معه. وبالطبع ينبغي ان نوسّع الدائرة من دائرة الأرحام الى دائرة المجتمع والدولة، التي ينبغي ان تكون كلّها حريصة على تأمين هذا الجو. اما ظاهرة الانتحار، فلها اسباب متعدّدة قد تكون مواقع التواصل احداها، بالاضافة الى استسهال الانتحار. فأصبحنا نرى عبر موقع التواصل من يستسهل قتل النفس او الآخر امام الكاميرا، وهنا دور المجتمع في السعي لاظهار خطورة هذا الامر على مستوى الدنيا اولاً كونه لا يحلّ مشكلة، وخطورته على مستوى الآخرة، حيث يعتبر قتل النفس ذنباً اكبر من قتل انسان آخر.


 لكن لم يعد بالامكان الاستغناء عن التكنولوجيا وما تتيحه من وسائط تواصل حديثة، وهذا الأمر يسبب نوعاً من التجاذب لدى بعض الناس بين عالميْن واقعي وافتراضي. فكيف السبيل للنجاة من مخاطر هذا التجاذب؟ وأي مسؤولية على الأهل والمجتمع ورجال الدين؟
 بطبيعة الحال، كل آلة يمكن ان يستفاد منها للخير والشر، وكذلك كل العلاقات الاجتماعية يمكن ان يستفاد منها للخير او الشر. هنا دور التوجيه، وأن نستفيد من مواقع التواصل، ومن كل العلاقات والتطور التقني في الجانب الايجابي. والمسؤولية كبيرة على العائلة والمدرسة ورجال الدين طبعاً، ودور علماء النفس والاجتماع. فلا يمكن ان نسلّم الانسان هذا السلاح الذي يمكن ان يستعمل للخير والشر، دون ان نوعّيه حول اهميته ومخاطره. اليوم سبل الانحراف اصبحت ميّسرة بين الأيادي. ونحن لا ندعو الى الغاء هذه المواقع او الى منع الشباب عن استخدامها، بل ندعو الى توجيههم وتربيتهم. فالتربية بحاجة لجهد اكبر. ولذلك نؤكد للذين يقبلون على الحياة الزوجية بضرورة التأهّل جيداً قبل الاقدام عليها، لأن هذه المرحلة تتعقّد، بحيث ينبغي التعرف على سبل التعامل مع ولد منفتح على هذا العالم وما فيه، وعلى سبل وقايته وحمايته وتعليمه وتهيئته. وهذا الامر يتطلب علماً وعملاً ويجب ان يأخذ مجاله في واقعنا.


صدر لكم مؤخراً كتاب الدين والعصر. فما هي ابرز التحديات التي تواجه الدين في هذا العصر المليء بجديد يطرأ كل لحظة؟
 التحدي الأول ناجم عن الذين يقدّمون الدين بصورة سلبية كما يقدّم الآن من خلال الجو الدامي الذي يتلطّى خلف قيم وعناوين الدين، ليس على مستوى الاسلام وحده بل على مستوى كل الأديان التي تعاني من موجات الغلو والتطرّف. فالقتل باستخدام الطائرات من اجل السيطرة على الثروات ايضاً يقدّم صورة سلبية عن الدين، في حين ان كل الأديان جاءت لتؤكد على عناوين الرحمة والمحبة، وهي عناوين حاكمة على كل شيء آخر.


 التحدي الآخر يكمن فيما يُدخل الى الدين وما يتم تسويقه بسرعة بفعل مواقع التواصل الاجتماعي، من تفسيرات وادعاءات. وهنا ندعو الناس لأن يدقّقوا اكثر في مصادر معرفتهم، في الدين والسياسة والأخبار وفي كل ما يصلهم. لقد دخل الغلو الى الدين، وجو شدّ العصب المذهبي ادخل كل شيء الى الدين بحجة الدفاع عن حقوق هذه الطائفة او تلك. تحدّ آخر ايضاً يكمن في المفردات الدينية التي تقدّم للنقاش، كموضوع العقوبات في الاسلام، والحجاب اكان واجباً او عادياً، والصلاة في شكلها، هناك الكثير من القضايا التي باتت محط تساؤل لدى الكثير من الناس، والتي اصبحت بحاجة لاجابات شافية. 

 كذلك فان بعض التجارب الدينية في اكثر من واقع نعيشه باتت تحدّ بذاتها، حيث يقدّم الدين احياناً من خلال تجارب فاشلة سواء على مستوى الحكم او الجهات السياسية او الحزبية او غير ذلك. وهذه التجارب تحسب على الدين وهي خارجه. 


 هذه التحدّيات ادّت الى انصراف البعض عن الدين، بل اعتبارهم ان الدين هو سبب الخراب والدمار والمشكلات التي تعاني منها الانسانية. 


 ابعد من المصطلحات المطروحة للنقاش، ثمة موجات من الشكّ تتنامى مع التطور العلمي والتكنولوجي وتتعلق بجوهر الدين وتعاليمه. فما السبيل لليقين والعقيدة الثابتة؟
 نحن نؤكّد على علماء الدين بضرورة اخذ هذه الأمور بعين الاعتبار، وبعدم ترك اي سؤال او تساؤل بلا اجابات صحيحة وواضحة، وأن تكون الاجابات مقنعة وتجاري تطوّر الوعي الانساني. فالنص الديني هو نفسه، لكن اسلوب فهمه يمكن ان يتبدّل. بالفعل علينا ان نعيد النظر في اسلوب فهمنا لبعض القضايا الدينية، وأن نسمح للاجتهادات بالتعبير عن نفسها، لأنها قد تكون صحيحة فعلاً. وبالنسبة للشكّ، على الانسان الا يترك الشكوك تتلاعب به، بل ان يسأل وأن يستند الى من يمكن ان يعينه في التفكير، خصوصاً في مراحل المراهقة وهي المراحل الأكثر عرضة للشك في عقل الانسان، بسبب عدم اكتمال نموّه الفكري والمعرفي. الشكّ مبرّر وليس مرفوضاً طالما ان الانسان واعٍ لتوجيهه نحو طريق اليقين لكي لا يؤدي به الى قناعات غير صحيحة او الى الجحود. صاحب الشك لا يصبح كافراً الا اذا جحد.


 تقولون ان الاسلام يتطلّع لأن يكون شريكاً في بناء عالم افضل. كيف ذلك والاسلام يواجه محاولات لحصره في اطار عنفي غير مؤهّل لبناء عالم افضل؟
 نحن بحاجة لتقديم الاسلام كما هو. وقناعتنا ان الاسلام قابل ليكون شريكاً في صناعة الحضارة وفي التخفيف من الكثير من معاناة انسان هذا العصر، شرط ان نحسن تقديمه وأن نجرّده عن البعد الطائفي الذي يتم حصره به، وأن نبعد عنه صبغة العنف والحروب، خصوصاً ان الاسلام لم يأتِ بالحرب، بل ان النبي صلى الله عليه وآله كان اول من ارسى نظام المواطنة وأول من وقّع معاهدات مع الآخر ومن ضمنه اليهود، لكن النبي صلى الله عليه وآله عندما حورب فقط حارب. وفي النهاية لا اكراه في الدين.