الإمام الكاظم (ع): ثبات الإيمان والصَّبر أمام الابتلاء

قال الله سبحانه وتعالى في كتابه العزيز: {وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا وَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِمْ فِعْلَ الْخَيْرَاتِ وَإِقَامَ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءَ الزَّكَاةِ وَكَانُوا لَنَا عَابِدِينَ}. صدق الله العظيم.

سنكون في الخامس والعشرين من هذا الشّهر المبارك، شهر رجب، مع ذكرى انتقال واحد من أئمّة أهل البيت (ع) إلى رحاب ربّه، وهو الإمام موسى بن جعفر الكاظم (ع).

هذا الإمام الّذي أشارت سيرته إلى الموقع الّذي بلغه عند الله وفي قلوب النَّاس، فقد ورد فيها أنَّه كان أعبد أهل زمانه وأفقههم وأحلمهم وأسخاهم كفًّا وأكرمهم نفسًا.

وهو ما أشارت إليه ألقابه، فقد لقِّب بالعبد الصّالح، والأمين، والصَّابر، والزّاهد، وباب الحوائج إلى الله عزَّ وجلَّ، والكاظم، وهو اللّقب الّذي صاحبه واقترن باسمه، والّذي أظهر مدى حلمه وعفوه عمّن أساء إليه.

معاناة الإمام (ع)

وقد عانى هذا الإمام في كلّ المرحلة الّتي عاشها بعد وفاة أبيه الإمام الصّادق (ع)، والّتي امتدَّت إلى خمس وثلاثين سنة، من الحكّام العبّاسيّين الّذين تعاقبوا على هذه الفترة، وكان أشدّ هذه المعاناة في عهد هارون الرّشيد الَّذي أدخله أقبية سجونه الّتي استمرَّت لسبع سنوات على الأقلّ، على اختلاف الرّوايات.

لكنَّ هذه المعاناة رغم قساوتها، لم تفتّ من عضد الإمام، ولم تضعفه عن أداء دوره في مواجهة الانحراف الفكريّ والعقيديّ والخلقيّ، وفي الردّ على التّساؤلات الّتي بدأت تثار حول الإسلام، وفي تصدّيه للغلوّ وتفشّي ظاهرة المجون الّتي ساهم في نشرها الحكّام العبّاسيّون.

وفي ذلك، ترك لنا الإمام (ع) زادًا وفيرًا من الأحاديث والفقه والتّفسير والمواعظ والوصايا والتّوجّهات.

ونحن اليوم سنستفيد من هذه المناسبة، لنشير إلى مواقف عدَّة لهذا الإمام، لنستفيد منها ونعكسها على حياتنا.

الارتقاء بقيمة العمل

الموقف الأوَّل: ما ورد عن أحد أصحاب الإمام الكاظم (ع)، حين قال: رأيت يومًا الإمام الكاظم (ع) يعمل في أرض له، قد استنقعت قدماه في العرق، فقلت له: جعلت فداك، أين الرّجال؟ فقد كان لدى الإمام من يعينه، لكنَّه كان يحرص على أن يقوم بهذا العمل بيده… فقال (ع): “قد عمل باليد من هو خير منّي في أرضه ومن أبي”، فقلت له: ومن هو؟ فقال: “رسول الله (ص) وأمير المؤمنين (ع)، كلّهم كانوا قد عملوا بأيديهم، وهو من عمل النّبيّين والمرسلين والأوصياء والصّالحين”.

لقد أراد الإمام الكاظم (ع) بهذا أن يرتقي بقيمة العمل، ولا سيّما في الزّراعة، بأن يعزّز هذه القيمة عند أصحابه وعندنا، فالعمل لا يقف عند سدّ حاجة الإنسان وحاجة عياله، بل هو تلبية لواجب دعا الله إليه عزَّ وجلَّ، عندما قال: {وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ}، وهو عبادة، بل هو أفضل العبادات، فقد ورد في الحديث: “العبادة سبعون جزءًا، وأفضلها جزءًا طلب الحلال”، وهو جهاد في سبيل الله: “الكادّ على عياله كالمجاهد في سبيل الله”، وهو باب إلى محبّة الله ورسوله، فاليد الّتي تعمل هي يد تُقدّر، لأنّها يد يحبّها الله ورسوله.

مبدأ حسن الظّنّ

الموقف الثّاني: عندما جاء إليه أحد أصحابه قائلًا: جعلت فداك، الرّجل من إخواني يبلغني عنه الشَّيء الّذي أكرهه، فأدقّق في ذلك وأسأله عنه، فينكر ذلك، وقد أخبرني عنه قوم ثقات ومن أهل الإيمان، وليس واحدًا، بل أكثر من واحد، فماذا أفعل؟! قال الإمام (ع) لهذا الشّخص، واسمه محمّد: “يا محمّد، كذِّب سمعك وبصرك عن أخيك، فإن شهد عندك خمسون قسامة، وقال لك قولًا، فصدِّقة وكذّبهم – لأنّهم قد يشتبهون في الأمر الّذي يتحدّثون به عنه، فلا تسرع في الأخذ به، بل لا تأخذ به بعد إنكاره له، وحتّى لو كان قولهم صادقًا – ولا تذيعنَّ عليه شيئًا تشينه به وتهدم به مروءته، فتكون من الَّذين قال الله عنهم في كتابه: {إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَن تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ}”.

لقد أراد الإمام (ع) من خلال ذلك أن يرسّخ المبدأ الّذي ينبغي أن يحكم تعامل المؤمنين بعضهم مع بعض، بأن تبنى علاقتهم على حسن الظّنّ لا على سوء الظّن، بأن يحمل ما يصدر عنهم من قول أو فعل على محمل حسن، كما أشار الحديث: “ضع أمر أخيك على أحسنه حتّى يأتيك ما يغلبك منه، ولا تظنَّنَّ بكلمة خرجت من أخيك سوءًا وأنت تجد لها في الخير محملًا”، وحتّى لو كان الكلام أو الفعل الّذي صدر عنه صحيحًا، فقد دعا الإمام (ع) إلى ستره وعدم إشاعته. والعلاج لا بدَّ أن يحصل، لكن ينبغي أن يكون سرًّا لا علانية، وهو ما أشار إليه الحديث: “من وعظ أخاه سرًّا فقد زانه، ومن وعظه علانيةً فقد شانه”.

الابتعاد عن نهج التَّبعيّة

الموقف الثّالث: ما قاله (ع) لأحد أصحابه: “لا تكن إمَّعة، فقد نهى رسول الله (ص) أن يكون الرّجل إمَّعة”. وعندما قال له هذا الصّحابيّ: وما الإمَّعة يا بن بنت رسول الله؟ قال: “لا تقولنّ: أنا مع النّاس، وأنا كواحد من النّاس، إنّما هما نجدان: نجد خير، ونجد شرّ، فما بال نجد الشّرّ أحبّ إليكم من نجد الخير”.

وهو في ذلك أراد أن يشير إليه وإلينا، أن لا تكون كلماتنا ومواقفنا وخياراتنا صدى للآخرين، نردِّد ما يردِّدون، ونفعل ما يفعلون، ونقرّر ما يقرّرون، من دون تفكير ووعي وتدبّر، بل أن تكون كلماتنا ومواقفنا وخياراتنا من وحي إيماننا وقيمنا، حتّى نكون صادقين فيها، والّتي على أساسها نقف بين يدي الله عزّ وجلّ، وحتّى لا نقع في الموقف الَّذي أشار إليه الله سبحانه وتعالى عندما يتنصّل المتّبعون ممّن اتّبعوهم يوم القيامة: {إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُوا مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا وَرَأَوُا الْعَذَابَ وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الْأَسْبَابُ * وَقَالَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا لَوْ أَنَّ لَنَا كَرَّةً فَنَتَبَرَّأَ مِنْهُمْ كَمَا تَبَرَّءُوا مِنَّا ۗ كَذَٰلِكَ يُرِيهِمُ اللَّهُ أَعْمَالَهُمْ حَسَرَاتٍ عَلَيْهِمْ ۖ وَمَا هُم بِخَارِجِينَ مِنَ النَّارِ}.

موقف عزّ وإيمان

الموقف الرَّابع: حصل حين أرسل الخليفة العبّاسيّ هارون الرّشيد خلف وزيره يحيى بن خالد البرمكيّ، وأمره أن يذهب إلى الإمام (ع) إلى السّجن، ويبلغه أنَّه على استعداد لإطلاق سراحه بشرط أن يعتذر منه. يومها، رفض الإمام (ع) وقال له: “ليس عندي ما يستوجب الاعتذار، اذهب إليه وقل له: إنّه لن ينقضي عنّي يوم من البلاء، إلّا انقضى عنك يوم من الرّخاء، حتّى نفضي جميعًا إلى يوم ليس له انقضاء يخسر فيه المبطلون”.

تصوَّروا، أيّها الأحبّة، هذا الموقف: الإمام سجين، وكان قد قضى في السّجن سنوات طوالًا، والسّجون آنذاك كانت تحت الأرض في مكان مظلم موحش، يعرض عليه هارون أن يعتذر، وكان يكفي منه ذلك حتّى يخرج من السّجن وتنتهي معاناته، ولكنَّ ذلك لم يكن ليصدر عن الإمام (ع)!  لقد كان السّجن خياره بعد رفضه لما عرضه عليه هارون، كما قال النّبيّ يوسف (ع) عندما دعته نساء مصر للخوض فيما يخضنه من انحراف: {رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ}، فالإمام (ع) ما كان ليقبل بحريّة تجعله يسكت على ظلم الظّالمين، وعن قول الحقّ ونصرة المظلومين. لذلك، لم يتأفّف لكونه في السّجن، ولم يقف الأمر عند ذلك، بل كان يرى في السّجن مكان أنسه، حيث يقوم فيه بطاعة ربّه، وهو حوّله إلى مكان يستطيع فيه أن يتفرّغ لعبادة ربّه، ويستحق أن يشكر الله عزّ وجلّ عليه، وهذا ما كان يدعو فيه الله عزَّ وجلَّ: “اللّهم إنّك تعلم أنّي كنت أسألك أن تفرّغني لعبادتك، اللّهم وقد فعلت، فلك الحمد”.

الاقتداء بسيرة الكاظم (ع)

أيُّها الأحبَّة: هذا هو الإمام الكاظم، هذا هو طريقه، هذه هي صورته، كان يعاني ويتألّم ويُظلَم وهو في سجنه، ولكنَّه في الوقت نفسه، كان قويًّا عزيزًا، يطلق كلمة الحقّ والعدل.

إنَّ إخلاصنا لهذا الإمام ولكلّ الأئمّة (ع) لا يقف عند إبداء المشاعر والعواطف لهم رغم أهميَّتها، بل أن نكون في المواقع الّتي كانوا عليها؛ نجاهد كما جاهدوا، ونضحّي كما ضحّوا، وأن نتمثّلهم في سيرتهم وفي أخلاقهم، وفي هذه الصّورة الّتي علينا أن نتمثّلها عند زيارته:

السّلام عليك يا باب الحوائج إلى الله، موسى بن جعفر الكاظم، “أشهَدُ أنَّكَ قَدْ بَلَّغتَ عَنِ اللهِ ما حَمَّلَكَ، وَحَفِظَتَ ما استَودَعَكَ… وَصَبرتَ على الأذى في جَنبِ اللهِ، وَجاهَدتَ في اللهِ حَقَّ جِهادِهِ حتّى أتاكَ اليَقينَ… وَأنَّكَ أدَّيتَ الأمانَةَ، وَاجتَنَبتَ الخيانَةَ، وَأقمْتَ الصَّلاةَ، وآتيتَ الزّكاة، وأمرتَ بالمعروف، ونهيتَ عن المنكر، وعبدتَ اللهَ مخلصًا مجتهدًا مُحتَسِبًا حتَّى أتاكَ اليَقينُ، فَجَزاكَ اللهُ عَنِ الإِسلامِ وَأهلِهِ أفضَلَ الجَزاء، وَأشرَفَ الجَزاءِ”.

جعلنا من المتّبعين لك، المقتدين بآثارك، والعاملين بنهجك، إنَّه أرحم الرّاحمين.

بسم الله الرَّحمن الرَّحيم

الخطبة الثَّانية

عباد الله، أوصيكم وأوصي نفسي بالوصيّة الّتي نقلها الإمام الكاظم (ع) إلى أصحابه، حين قال: “أوصيكم بالخشية من الله في السرِّ والعلانية، والعدل في الرِّضا والغضب، والاكتساب في الفقر والغنى، وأن تصلوا من قطعكم، وتعفوا عمَّن ظلمكم، وتعطوا من حرمكم، وليكن نظركم عبرًا، وصمتكم فكرًا، وقولكم ذكرًا، وطبيعتكم السَّخاء، فإنَّه لا يدخل الجنَّة بخيل، ولا يدخل النَّار سخيّ”.

رحم الله من استحيا من الله حقّ الحياء، فحفظ الرّأس وما حوى، والبطن وما وعى، وذكر الموت والبلى، وعلم أنّ الجنّة محفوفة بالمكاره، والنّار محفوفة بالشّهوات.

أيُّها الأحبَّة: هذه دعوة من الإمام (ع)، لنا بأن نتّقي الله في السّرّ والعلانية، وأن نعدل على كلّ حال، بأن لا يحملنا الغضب على الظّلم، ولا الرّضا على المحاباة بغير حقّ، وأن نطلب الحلال دائمًا حال الغنى والفقر، وأن نتفكّر ونعتبر ممّا نرى في تغيير أحوال النّاس وتقلّبات الحياة، وأن نسكت تفكّرًا لا غفلةً وفراغًا، وأن نذكر الله وما يدعو إليه، ونستحي منه، ونراقب ما يصدر عن جوارحنا، وأن نذكر الموت ولا نغفل عن الاستعداد له، وأن نحثّ أنفسنا على البذل والعطاء والتّسامح والعفو عمّن أساء إلينا… لنكون أكثر وعيًا للحياة، وأكثر مسؤوليَّة تجاه الله عزّ وجلّ، وبذلك نستطيع أن نواجه التّحدّيات.

أهدافُ التّصعيد المستمرّ

والبداية من التّصعيد الإسرائيليّ المستمرّ الّذي شهدناه ونشهده عبر الغارات أو عمليّات الاغتيال والتّفجير للمنازل في القرى الحدوديّة ومنع الإعمار فيها، لإفراغها من أهلها، والّذي يواكبه العدوّ بتسريبات إعلاميّة، كالّتي جاءت أخيرًا على لسان رئيس وزراء العدوّ، بأنّ هناك ضوءًا أخضر أميركيًّا بتنفيذ عمليّات عسكريّة… وبالإيحاء المستمرّ بعدم قدرة الجيش اللّبنانيّ، والتّشكيك في القيام بالمهمّات الّتي تُسند إليه.

لقد أصبح واضحًا أنّ أهداف العدوّ من ذلك تتجاوز حدود ما يطرح من سحب السّلاح من جنوب اللّيطانيّ أو من شماله إلى لبنان كلّه، وهو – للأسف – ما يطالب به ويراه بعض اللّبنانيّين حلًّا لما يعانيه هذا البلد، ويمارس حتّى الضّغط على الدّولة اللّبنانيَّة للقبول بمطالبه، حيث بات يعلن جهارًا أنّه لن ينسحب من الأرض، وأنّه يريد إنشاء منطقة أمنيّة عازلة، وإبقاء حريّة الحركة له في لبنان لمواجهة ما يراه تهديدًا لأمنه.

تحصين الموقف وردع العدوّ

إنّنا نجدّد دعوتنا للدّولة اللّبنانيّة المعنيّة بأمن هذا البلد ومواطنيها وبالسّيادة على أرضه، بالإصرار على موقفها الثّابت بإيقاف العدوّ لاعتداءاته وانسحابه من المواقع الّتي احتلّها، وعودة الأسرى من سجونه، أن تقف بقوّة أمام الدّول الرّاعية لوقف إطلاق النّار، لإلزامها بما عليها القيام به، وأن تبذل أقصى جهودها، وما تملكه من حضور على الصّعيد السّياسيّ أو الدّبلوماسيّ، ورفع صوتها في المحافل الدّوليّة، لتبيان حقيقة الموقف اللّبنانيّ الّذي نفّذ كلّ مندرجات قرار وقف إطلاق النّار، وأعلن استعداده لاستكمال الخطوات المطلوبة منه على هذا الصّعيد، والرّدّ على كلّ ادّعاءات العدوّ بعدم قيام الجيش اللّبنانيّ بما هو مطلوب منه، ممّا يعمل العدوّ على إشاعته، فيما هو يستمرّ في خرق اتّفاق قرار وقف النّار، ويواصل اعتداءاته الّتي تستهدف البشر والحجر والسّيادة.

إنَّ من المؤسف أن لا نشهد حراكًا لبنانيًّا بالشّكل الفاعل على هذا الصَّعيد بما يفي بتحقيق هذا الهدف، إذ كان المطلوب في الحدّ الأدنى تقديم شكوى إلى مجلس الأمن على العدوان المتواصل على لبنان، بدلًا من الاكتفاء والاقتصار على استقبال موفدين دوليّين وأمميّين يكتفون بتقديم نصائح للبنان أو تحذيرات له، من دون أيّ مبادرة فاعلة يقوم بها هؤلاء تؤدي إلى إلزام الكيان الصّهيونيّ بتنفيذ ما عليه.

إنّنا لا نريد هنا أن نهوّن من حجم الضّغوط الّتي تمارس على هذا البلد بفعل القدرات الّتي يملكها هذا العدوّ والتّغطية الّتي تأمّنت له… ولكن هذا لا يدعو إلى التّسليم بالأمر الواقع، بل إلى العمل الجادّ والمسؤول للوصول إلى ما يقي لبنان من نزيف الدّم والدّمار، ويعيد إليه حقوقه المشروعة وحقّه بالسّيادة على أرضه.

الوحدة في وجه التحدّيات

ومن هنا، فإنّنا ننوّه بالحكمة الّتي عبّر عنها مجلس الوزراء في منع الفتنة الّتي كان يمكن أن تحصل بين اللّبنانيّين، كما نعيد دعوة القوى السّياسيّة إلى تجميد خلافاتها وصراعاتها، والخروج من الخطاب المتشنّج الّذي لا يزال يعصف بالسّاحة الدّاخليّة، رغم كلّ التّحدّيات الّتي تواجه هذا البلد من الدّاخل، أو ممّا يعصف به من الخارج. ونجدّد دعوتنا لها إلى التّلاقي للوصول إلى موقف موحّد يقوّي موقف الدّولة في مطالبتها العدوّ القيام بالتزاماته بدلًا من العمل على إضعافها، ما يقي لبنان المخاطر الّتي تحدق به، أو الّتي قد يواجهها بفعل ما يجري أو قد يجري في محيطه القريب أو البعيد، حيث لا يمكن أن نواجه كلّ ذلك بالانقسام والتّرهل الّذي نشهده.

من فلسطين إلى فنزويلا!

ونصل إلى فلسطين المحتلّة، حيث يواصل العدوّ عدوانه على غزّة، ويحصد فيها العديد من الشّهداء، والّذي يستكمله في الضّفّة الغربيّة بتوسيع المستوطنات الّتي قضمت إلى الآن ما يصل إلى الأربعين في المائة من مساحة الضّفّة الغربيّة، ما يدعو الدّول العربيّة والإسلاميّة إلى دفع العدوّ للوفاء بالتزاماته في غزّة، وحفظ الوجود الفلسطينيّ داخل الضّفّة، ومنعه من تنفيذ سياسته بتهجير أهلها منها.

ونتوقّف أخيرًا عند خطورة ما حصل في فنزويلا، والّذي لن تقف تداعياته على هذا البلد واستقلاله وحريّته، بل هو يشير إلى مرحلة جديدة دخل إليها العالم، ويخشى من تداعياتها على الاستقرار الدّوليّ، ويجعل هذا العالم مستباحًا لمن يملك القوَّة، ودوله مهدّدة في وجودها وأمنها واستقرارها والإمساك بثرواتها.

وهنا يجب أن نشير إلى أنّ هذا المنطق إن هو استشرى، سوف لن يعانيه الضّعفاء فحسب، بل سيعانيه حتّى الأقوياء، عندما يواجهون من يزيدونهم قوّة، أو عندما تتبدّل مواقع القوّة الّتي قد لا تبقى على حالها، انطلاقًا من قوله سبحانه وتعالى {وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ}، والّتي تؤكّد للقويّ أنّه قد لا يبقى قويًّا، والضّعيف قد لا يبقى ضعيفًا، والماضي والحاضر يشهدان بذلك.