لا تكتفوا بجعل القرآن مهراً، أو هدية عن روح ميت، أو مجرد زينة على الرفوف بل المطلوب أن يصبح القرآن هاجسنا ودروسه حاضرة في بيوتنا ونوادينا
إنّ أجمل ما في حبّ الله، أنّه حبّ لا ينضب، بل يسمو ويزداد كلّما ازداد الإنسان معرفةً بالله
لكلّ فتنة وَقود وحطب، هم الّذين تلتبس عليهم الأمور، أو الذين يسارعون للاستجابة لعصبياتهم وحساسياتهم وجهلهم، وهم وحدهم ـ للأسف ـ الذين يدفعون الثمن عندما تشتعل نار الفتنة، ويغيب الآخرون ليختفوا خلف الستار
الإيمان يُعرف عند الفقر، لكنّه يُعرف أكثر عند اليُسر والغنى.. والإيمان لا يُعرف عند هدوء الشّهوة وخمودها، بل عند فورانها
 حبّ الله هو أساس قيمة الحبّ، فلا يمكن أن يبتدئ الحبّ إلا من خلال حبّنا لله

من شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر

الجمعة, آب (اغسطس) 11, 2017
ألقى سماحة العلامة السيد علي فضل الله ، خطبتي صلاة الجمعة، من على منبر مسجد الإمامين الحسنين(ع) في حارة حريك، بحضور عددٍ من الشخصيّات العلمائيّة والسياسيّة والاجتماعيّة، وحشدٍ من المؤمنين، ومما جاء في خطبتيه:
 

قال الله سبحانه: {وَقُلِ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ} صدق الله العظيم..

 

عندما خلق الله الإنسان أعد له استنهاضاً لفطرته وإسناداً لعقله برنامجاً متكاملاً لحياته، رسم له فيه معالم علاقته بربه وبنفسه وبالناس وبكل الحياة من حوله.. وهو أرسل الأنبياء ليبلغوه هذا البرنامج وليحثوه على الأخذ به وليرغبوه بذلك.. لكن حكمته ورحمته اقتضت أن لا يجبر أحداً حتى على الأخذ بمشروعه الذي فيه صلاحه، بل ترك له الحرية في اختياره..

 

نعم هو حمل الإنسان المسؤولية إن هو قرر أن يخالفه وأن لا يلتزم بما يريد، فهو بذلك سوف يحصد آثار ذلك في الدنيا لأن الله عندما أمره لم يأمره إلا بما فيه الخير له، وإن هو نهاه فهو نهاه عما يسيء إليه.. ولذلك قال عندما تحدث عن رسول الله(ص): {يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلَالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ..}.. وفي الآخرة سيلقى الجزاء والعقاب.

 

وقد أشار الله سبحانه إلى هذه الحرية التي منحها للإنسان عندما قال: {إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِراً وَإِمَّا كَفُوراً}.. وقال: {وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ}.

وقد ألزم الله الأنبياء أن يضمنوا هذه الحرية، فدعاهم إلى أن يبينوا للناس الحقائق، أن يدعوا بالقلب الحاني إليها وبالكلمة الطيبة والجدال بالتي هي أحسن.. وحتى لو امتلكوا قوة وحكماً فهذا لا يبرر لهم أن يفرضوا منطقهم على الناس حتى لو كان منطقهم هو الحقيقة المطلقة لكونها تعبر عن الله.

 

فقال عزّ وجل: {وَمَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ}، وقال في آية أخرى: {فَذَكِّرْ إِنَّمَا أَنْتَ مُذَكِّرٌ * لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُسَيْطِرٍ}.. وإذا رفض الناس رسالة ربهم فالموقف أن يتركوهم وشأنهم وأن لا يجبروهم على ذلك.. نعم يتابعون دعوتهم ولا ييأسوا من ذلك {وَقُلِ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ..}.

 

ولذلك قال لرسوله(ص) عندما كان يراه يحزن ويتألم ويتحسر لحال الناس من حوله، ممن راحوا يرفضون الاستجابة لرسالته التي تحمل الحلول لكل مشكلاتهم والدواء لها، والعزة والقوة لمستقبلهم: {نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَقُولُونَ وَمَا أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِجَبَّارٍ فَذَكِّرْ بِالْقُرْآَنِ مَنْ يَخَافُ وَعِيدِ}..

 

وقال سبحانه في آية أخرى: {وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَآَمَنَ مَنْ فِي الْأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعاً أَفَأَنْتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ}..

وقد كان القرآن حاسماً في تبيانه لهذه القاعدة قاعدة الحرية عندما قال: {لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ}، ويؤكد الفهم لهذه الآية هو مورد نزولها حيث كما ورد في كتب التفسير نزلت في رجل من الأنصار من أصحاب رسول الله(ص)، يقال له الحُصين.. هذا الرجل تأثر له ابنان بالنصرانية فالتزما بها، فقال للنبي(ص): ألا أستكرههما فإنهما قد أبيا إلا النصرانية، فأنزل الله في ذلك هذه الآية: {لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ}..

 

 

وقد تجلى هذا السلوك في تعامل رسول الله(ص) مع قومه طوال حياته فلم يعهد أنه أجبر أحداً أو ضغط على أحد حتى يدخل في الإسلام وينضوي تحت لوائه أو يلتزم بأحكامه وشريعته.. وهذا لم يكن في أوقات ضعفه عندما كان في مكة، بل التزم به حتى وهو بمنتهى قوته عندما دخل إلى مكة فاتحاً بجيشه الجرار، وكان آنذاك قادراً على أن يفرض على الناس أن يدينوا بدينه يوم اجتمعوا إليه يسألونه ماذا أنت فاعل بنا، يومها لم يقل لهم أسلموا تسلموا بل قال: "اذهبوا فأنتم الطلقاء".. وطبعاً هذا السلوك كان كافياً لدخولهم الإسلام والانضواء تحت لوائه.

 

نعم هو ضغط في مواجهة المشركين، فقد واجه الشرك بحسم، لأن في الشرك إساءة لله فهو ظلم عظيم كما عبر القرآن الكريم وهو إساءة لإنسانية الإنسان، فالإنسان الذي جعله الله خليفته في هذه الأرض وطلب من الملائكة أن يسجدوا له لجلالة قدره هو أعظم من أن يترك لشأنه ولحريته في أن يسيء لموقعه ودوره بحيث يختار أن يعبد حجراً أو كوكباً وحتى بشراً مثله..

 

ولم يكن هذا هو منهج رسول الله في حياته العامة فحسب، بل نراه يتمثل حتى في حياته الشخصية، حيث تذكر السيرة أن إحدى جواريه كانت على اليهودية فدعتها إحدى زوجات النبي للإسلام، فرفضت وأصرت على دينها.. فجاءت بها إلى رسول الله(ص) فتحدث معها وسعى إلى إقناعها فرفضت، فلم يغضب لذلك النبي(ص) ولم يتوتر ولم يواجهها برد فعل عنيف وهي أَمة عنده و والأَمَة ملكه بل قال لزوجته ألاَّ تكرهها أو تضغط عليها حتى تدخل في الإسلام.. نعم هي لما رأت رحابة هذا الدين أسلمت طواعية..

 

وما يؤكد هذه الحرية هو وجود الديانات السماوية وغير السماوية وبقاؤها في بلادنا التي حكمها الإسلام قروناً طويلة.. رغم أنها تحمل في طقوسها وفي مضامينها عقائد ومفاهيم وأفكاراً تخالف النص القرآني.

 

وهنا قد يثير البعض تساؤلات تشكك بحقيقة وجود هذه الحرية، وتتحدث عن الحروب التي قام بها النبي(ص)، وأنها كانت لإكراه الناس على الدخول إلى الإسلام، وهو أمر غير صحيح ولا يصمد أمام النقد والتحقيق التاريخي البسيط لأمرين، لأن الإسلام عقيدة وشريعة وعبادات والتزامات، ولا يمكن أن تفرض بالقوة وللمنطق الذي أشرنا إليه حيث لا مشروعية لاستخدام القوة لفرض الدين..

 

نعم، هي كانت حروباً دفاعية وإذا كان بعضها هجومياً فقد كان الهدف منها هو إزالة العوائق أمام الإسلام ليصل إلى عقول الناس.. فقريش وقفت حجر عثرة أمام الإسلام، هي لم تسمح لرسول الله(ص) أن يوصل رسالته للناس فكان لا بد من إضعافها ولذلك عندما ضعفت راح الناس يدخلون في دين الله أفواجاً لا لأن الإسلام فرض دينه بالقوة بل لأن الناس في الجزيرة كانوا يهابون قوة قريش، ولذلك لم يدخلوا في الإسلام...

 

وإذا كان هناك من يثير مسألة الفتاوى التي تتحدث عن عقوبة قتل المرتد وهي بالتأكيد فتوى موضع خلاف، فإن حكم القتل هذا وفق ما نراه لا يتصل بالخروج من الدين فكرياً، فلا يقتل حين يترك الدين إن أبقى ذلك بينه وبين نفسه ولم يتخذ موقفاً عدائياً من الإسلام، فهو يقتل حين يحارب الإسلام ويحرض عليه.. ومن الطبيعي في هذه الحالة أن يدافع المسلمون عن كيانهم ووجودهم وإلا فإن السيرة المتفق عليها تؤرخ عن مسلمين خرجوا من الإسلام وفي أيام الرسول ولم يعلنوا الحرابة فلم يؤمر أو يفتى بقتلهم ومحاربتهم وذلك كله يتبع مبدأ الحرية الفكرية.. وحتى أنه برز في التاريخ الإسلامي زنادقة وملاحدة ولم يقتلوا..

 

إذن الحرية هي أساس في بناء كيان الإنسان المتدين، فالتدين هو نتيجة الإقناع وتبيان الحقائق.. هو لا ينشئ ولا ينمو ولا يتطور في نفوس معتنقيه بالضغط والإكراه.. وهذا مظهر قوة الإسلام لأن الإكراه والضغط والإجبار ليس سلاح الأقوياء في الفكر والرأي.. هو سلاح من لا يملك قوة المنطق والإقناع.. ولذلك لم يكتف الإسلام بمنع ممارسة وسائل الإرهاب المادية والسياسية والإعلامية لتغيير أفكار الناس وآرائهم وتوجهاتهم تحت عنوان الدين..

 

فنراه خلَّد في القرآن كل الاتهامات التي وجهها المشركون للإسلام ورسوله والفكر المضاد الذي ووجه به رسول الله حتى تلك التي تتعلق بشخصيته.. ولهذا وجدناه يتحدث من دون أي مشكلة، عن اتهامات وجهها خصوم الإسلام لرسول الله(ص) عندما كانوا ينعتونه بأنه: مجنون وساحر ويعلمه بشر وأن ما جاء به {.. أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ اكْتَتَبَهَا فَهِيَ تُمْلَى عَلَيْهِ بُكْرَةً وَأَصِيلاً}..

 

وهو تحدث بإطناب عن طلبات المشركين التعجيزية التي أرادت إحراج الرسول {وَقَالُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى تَفْجُرَ لَنَا مِنَ الْأَرْضِ يَنْبُوعاً * أَوْ تَكُونَ لَكَ جَنَّةٌ مِنْ نَخِيلٍ وَعِنَبٍ فَتُفَجِّرَ الْأَنْهَارَ خِلَالَهَا تَفْجِيراً * أَوْ تُسْقِطَ السَّمَاءَ كَمَا زَعَمْتَ عَلَيْنَا كِسَفاً أَوْ تَأْتِيَ بِاللَّهِ وَالْمَلَائِكَةِ قَبِيلاً * أَوْ يَكُونَ لَكَ بَيْتٌ مِنْ زُخْرُفٍ أَوْ تَرْقَى فِي السَّمَاءِ وَلَنْ نُؤْمِنَ لِرُقِيِّكَ حَتَّى تُنَزِّلَ عَلَيْنَا كِتَاباً نَقْرَؤُهُ قُلْ سُبْحَانَ رَبِّي هَلْ كُنْتُ إِلَّا بَشَراً رَسُولاً}.

 

وذكر حججهم في رفض القيامة والبعث: {وَقَالُوا مَا هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا يُهْلِكُنَا إِلَّا الدَّهْرُ}.. وغير ذلك الكثير من مقولات المشركين وأهل الكتاب والملحدين الذين أرادوا التشكيك في هذا الدين..

 

لقد أراد الإسلام من هذا التأكيد على مبدأ الحرية أن يجعل من ساحة الحياة ساحة تنوع تتنوع فيها الأفكار والآراء والأساليب، ساحة حوار المنطق فيها.. هو منطق القرآن {وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَى هُدًى أَوْ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ}.. كلٌ فيها يملك الحرية في تبني الفكر الذي يحمله والانتماء الذي يريده من دون خوف وإرهاب، ولا إقصاء ولا إلغاء، على أن يترك الحكم لله يوم القيامة فيما يختلف فيه الناس في الفكر والعقيدة والدين، بدلاً من التحاقد والتباغض والتنابذ كما قال: {إِنَّ الَّذِينَ آَمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالصَّابِئِينَ وَالنَّصَارَى وَالْمَجُوسَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا إِنَّ اللَّهَ يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ}..

 

وهذا إن حصل فهو يغني الفكر ويبني الحياة، فالفكر لا يغتني والحياة لا تبنى بالرأي الواحد أو بمنطق {مَا أُرِيكُمْ إِلَّا مَا أَرَى وَمَا أَهْدِيكُمْ إِلَّا سَبِيلَ الرَّشَادِ}.. هي تبنى وتتطور بتفاعل الآراء وتلاحمها وتواصلها وبهذا المنطق نحمي حاضرنا ومستقبلنا من الصراعات والفتن التي تشتعل تحت عنوان الدين أو السياسة أو إدعاء امتلاك الحقيقة..

 

وآخر دعوانا أن الحمد لله ربّ العالمين...

 

الخطبة الثانية

 

عباد الله، أوصيكم وأوصي نفسي بوصية أمير المؤمنين علي (ع) عندما قال:

"أوصيكم، أيها الناس، بتقوى الله، وكثرة حمده على آلائه إليكم، ونعمائه عليكم، وبلائه لديكم (إحسانه لكم).. فكم خصَّكم بنعمة، وتدارككم برحمة: أعورتم له فستركم (ظهرت عوراتكم وعيوبكم فستركم، وكان قادراً على فضحها)، وتعرضتم لأخذه (للعقاب، وكان قادراً على عقابكم)، فأمهلكم. وأوصيكم بذكر الموت وإقلال الغفلة عنه.. وكيف غفلتكم عما ليس يغفلكم، وطمعكم فيمن ليس يمهلكم، فكفى واعظاً بموتى عاينتموهم.. حملوا إلى قبورهم غير راكبين (بغير إرادتهم)، وأنزلوا فيها غير نازلين (لو سمح لهم لما نزلوا في هذه الحفرة الضيقة).. فسابقوا، رحمكم الله، إلى منازلكم التي أمرتم أن تعمروها، والتي رغبتم فيها ودعيتم إليها.. واستتموا نعم الله عليكم بالصبر على طاعته، والمجانبة لمعصيته، فإن غداً من اليوم قريب.. ما أسرع الساعات في اليوم، وأسرع الأيام في الشهر، وأسرع الشهور في السنة، وأسرع السنين في العمر!".

 

هذه وصية أمير المؤمنين (ع) لنا، وهي مظهر من مظاهر محبته لنا، فهو يريدنا أن نكون الواعين في هذه الحياة، أن لا تخدعنا الدنيا بغرورها وزينتها وبهارجها، وهي غالباً ما تخدعنا.. وأن نخرج منها بزاد وفير، وليس أيّ زاد!

 

فليكن سباقنا إلى حيث دعانا الله وقال: {وَابْتَغِ فِيمَا آَتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآَخِرَةَ وَلَا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا}، ولنستعجل في ذلك الخطى، حتى لا نندم فنقول، كما أخبرنا الله: {رَبِّ ارْجِعُونِ * لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحاً فِيمَا تَرَكْتُ كَلَّا إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا وَمِنْ وَرَائِهِمْ بَرْزَخٌ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ}.

 

ومتى حقَّقنا ذلك وبلغناه، فسنكون أكثر قدرةً وثباتاً وصلابةً في مواجهة التحديات..

 

إنتصار حرب تمّوز

في البداية، تطلّ علينا في الرابع عشر من شهر آب الذكرى الحادية عشرة للانتصار الذي تحقق في العام 2006، والذي جاء، كما أكدت الوقائع، نتيجة للتلاحم الذي ظهر بين الجيش والمقاومة والشعب اللبناني بكل أطيافه ومذاهبه.

 

لقد استطاع اللبنانيون بفعل هذا التلاحم أن يحقّقوا هذا الإنجاز، وأن يفشلوا الأهداف التي أرادها العدو الصهيوني من خلال عدوانه، وأن يجهضوا المشروع الذي كان يرسم آنذاك للمنطقة، والذي تحدثت عنه وزيرة الخارجية الأميركية، عندما أعلنت أنّ لبنان سيكون البداية لمشروع شرق أوسط جديد.

 

ونحن اليوم إذ نتقدَّم مجدداً بالتهنئة لصانعي هذا الانتصار، وبالتقدير والإجلال لكلِّ التضحيات التي بُذلت لبلوغه، وكثيرة هي هذه التضحيات.. فإننا ندعو إلى أن تساهم هذه المناسبة في إنعاش ذاكرتنا بكلِّ صور البطولة والإقدام والتضحية التي نقلتها الأقلام والصور والشاشات في ذلك الوقت.. لا لكي نزهو بتلك الإنجازات، أو لنعيش عليها، أو لندخلها في بازار الصراع الداخلي، بل لتعزّز فينا الأمل، وتزيدنا وعياً وإحساساً بضرورة الحفاظ على كلِّ ما ساهم في تحقيق هذا الانتصار، بأن لا نفرّط فيه، كما قد يسعى إلى ذلك البعض.. فبذلك نواجه التحديات التي لم تقف حتى اليوم، فالعدو الصهيوني الذي هُزم في العام 2006، وقبله في العام 2000، لن يهدأ حتى يثأر لهزيمته، ويعيد الاعتبار لمعنويات جيشه الذي تعرض للذلِّ في لبنان ولسمعة دباباته وقواه.. ولذلك، علينا أن نعدّ العدة لمواجهة المشاريع التي لا تزال ترسم للمنطقة، فمشروع الشرق الأوسط الجديد قد انتهى بثوبه القديم، ولكنَّه عاود الظهور بلبوس جديد، من خلال كلّ هذه الفوضى التي تستعر في المنطقة، والتي يراد من خلالها أن يرسم شرق أوسط جديد، لا حول فيه ولا قوة إلا للكيان الصّهيونيّ، الَّذي يراد له أن يكون هو الأقوى في المنطقة، وأن يكون سيدها.

 

مواجهة الجيش للإرهاب

في هذا الوقت، يستعدّ الجيش اللبناني ليقوم بدوره الأساس في مواجهة الإرهاب المتبقّي على الحدود الشّرقيّة، ونحن على ثقة بأنَّ الجيش اللبنانيّ يمتلك كلّ المقوّمات والقدرات الّتي تؤهّله لإنهاء هذه الظّاهرة الشّاذة الّتي عبثت بالأرض والإنسان، إن أُعطي القرار السياسي الوطنيّ الَّذي يجعله حراً في اتخاذ القرار المناسب. وهنا، نؤكّد ضرورة أن يكون له هذا القرار، فلا يقيّد بقيود تجعل مهمّته صعبة ومعقّدة.

 

لقد كانت المشكلة دائماً، لا في قدرات الجيش وإمكاناته، فالجيش يمتلك كل الأهلية لذلك، بل لعدم وجود القرار السياسي الموحد، وجعله مشرعاً على رياح المصالح الإقليمية والدولية، وغالباً على حساب مصلحة هذا الوطن.

 

وعلى صعيد آخر، يستحكم الجدال بين القوى السياسية المتمثّلة في الحكومة حول الموقف من نية بعض الوزراء زيارة سوريا، إذا كانت ستتمّ بصفة وزارية أو شخصية.

 

إنَّنا نأمل أن تعالج هذه القضيَّة، ككل القضايا، من داخل الحكومة، لكن بعيداً عن التجييش الإعلامي والانتخابيّ، وبروح المسؤولية الوطنية التي تأخذ بعين الاعتبار المصلحة الوطنية التي نراها تستدعي هذا التواصل عندما تكون هناك قضايا مشتركة، سواء أمنية أو اقتصادية أو سياسية أو فيما يتصل بمسألة النازحين، مما لا يمكن معالجته من طرف واحد أو إبقاؤه خارج المعالجة.

 

وهنا، نسجّل الموقف الإيجابيّ لرئيس مجلس الوزراء، عندما طلب إخراج هذا الأمر من دائرة السّجال داخل المجلس.

 

سلسلة الرتب والرواتب

ونبقى في لبنان، حيث لا يزال السجال حول سلسلة الرتب والرواتب وتداعياتها على الاقتصاد والخزينة والمواطنين اللبنانيين والأقساط المدرسية وغير ذلك.. إننا لا نريد لهذه القضيَّة أن تدخل في التطييف أو في التسييس أو في الصراع السياسيّ، بل أن تعالج على قاعدة التوازن بين حقوق الموظفين المشروعة وتأمين موارد لها لا تلقي بثقلها على الاقتصاد، وعلى المواطنين اللبنانيين، ولا سيما الطبقات الفقيرة منهم، فلا ينبغي أن تحلّ أزمة موظّفين، وتحدث أزمة أخرى غيرها.

 

وهنا نرى أهميَّة دعوة رئيس الجمهورية للاجتماع لمعالجة هذه القضية، لتعالج بأبعادها كافة، وبروح موضوعيّة ومسؤوليّة، فلا تؤدي إلى شرخ جديد، لا نريده بين مؤيد للسلسلة ومعارض لها، أو بين مؤيد للضرائب الجديدة ومعارض لها.

 

إنَّ اللبنانيين يتوقون في هذا البلد إلى دولة تفكّر في حاجات مواطنيها، وتعمل لمعالجة الخلل من جيوب الفاسدين لا من جيوبهم، حتى لا تزيد إحباطهم، وتجعلهم يفكرون في أن يهيموا في بلاد الله الواسعة.

 

المكتب الإعلامي لسماحة العلامة السيد علي فضل الله

التاريخ : 19 ذو القعدة 1438هـ الموافق:11 آب2017م