لا تكتفوا بجعل القرآن مهراً، أو هدية عن روح ميت، أو مجرد زينة على الرفوف بل المطلوب أن يصبح القرآن هاجسنا ودروسه حاضرة في بيوتنا ونوادينا
إنّ أجمل ما في حبّ الله، أنّه حبّ لا ينضب، بل يسمو ويزداد كلّما ازداد الإنسان معرفةً بالله
لكلّ فتنة وَقود وحطب، هم الّذين تلتبس عليهم الأمور، أو الذين يسارعون للاستجابة لعصبياتهم وحساسياتهم وجهلهم، وهم وحدهم ـ للأسف ـ الذين يدفعون الثمن عندما تشتعل نار الفتنة، ويغيب الآخرون ليختفوا خلف الستار
الإيمان يُعرف عند الفقر، لكنّه يُعرف أكثر عند اليُسر والغنى.. والإيمان لا يُعرف عند هدوء الشّهوة وخمودها، بل عند فورانها
 حبّ الله هو أساس قيمة الحبّ، فلا يمكن أن يبتدئ الحبّ إلا من خلال حبّنا لله

فيها يفرق كل أمر حكيم

ألقى سماحة العلامة السيد علي فضل الله ، خطبتي صلاة الجمعة، من على منبر مسجد الإمامين الحسنين(ع) في حارة حريك، بحضور عددٍ من الشخصيّات العلمائيّة والسياسيّة والاجتماعيّة، وحشدٍ من المؤمنين، ومما جاء في خطبتيه:

 

 

قال الله سبحانه وتعالى: {حم * وَالْكِتَابِ الْمُبِينِ * إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُبَارَكَةٍ إِنَّا كُنَّا مُنْذِرِينَ * فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ * أَمْراً مِنْ عِنْدِنَا إِنَّا كُنَّا مُرْسِلِينَ * رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ} صدق الله العظيم.

 

نحن اليوم في الحادي والعشرين من شهر رمضان وهذا اليوم هو بداية دخولنا في رحاب الأيام العشر الأواخر من شهر رمضان هذه الأيام التي ورد التأكيد في الأحاديث على إحيائها والاستزادة فيها من العبادة، بالدعاء والاستغفار وقراءة القرآن والذكر وكل ما دعينا إليه في شهر رمضان.. نتأسى في ذلك برسول الله(ص).. فقد كان رسول الله(ص) يجتهد في العشر الأواخر بما لا يجتهد في غيرها.. اعتكافاً ودعاءً وقياماً.

 

وهذا التأكيد على إحياء العشر الأواخر يستجيب لتطلعات الصائم في الارتقاء بعبادته وأعماله ليعزز القيمة الروحية في نفسه، بحيث يكون عمله في نهاية الشهر أرقى منه في بداياته.. ولذلك نقرأ في الدعاء: "اللهم اجعل مستقبل أمري خيراً من ماضيه، وخير أعمالي خواتيمها..".. فضلاً عن أننا غالباً ما تفتر همتنا في نهايات أي عمل وهذا ما نلحظه في أواخر أيام شهر رمضان، ما يتطلب العمل للتعويض عن أي تقصير قد حصل منا.. حتى لا ينتهي هذا الشهر وقد حرمنا فيه من بركاته وعطاءاته وأهمها ما وعد الله به الصائمين القائمين من العتق من النار والفوز بالجنة..

 

 ولذلك نقرأ في الدعاء الوارد في العشر الأواخر من شهر رمضان: "أَللّـهُمَّ وَهذِهِ أَيّامُ شَهْرِ رَمَضانَ قَدِ انْقَضَتْ، وَلَياليهِ قَدْ تَصَرَّمَتْ، وَقَدْ صِرْتُ يا اِلـهي مِنْهُ إِلى ما أَنْتَ أَعْلَمُ بِهِ مِنّي وَأَحْصى لِعَدَدِهِ مِنَ الْخَلْقِ أَجْمَعينَ.. أَللّـهُمَّ إِنْ كُنْتَ رَضَيْتَ عَني في هذَا الشَّهْرِ فَاْزدَدْ عَنّي رِضاً، وَاِنْ لَمْ تَكُن رَضَيْتَ عنِّي فَمِنَ الآنَ فَارْضَ عَنّي يا اَرْحَمَ الرّاحِمينَ..".. "أَللّـهُمَّ أَدِّ عَنّا حَقَّ ما مَضى مِنْ شَهْرِ رَمَضانَ، وَاغْفِرْ لَنا تَقْصيرَنا فيهِ، وَتَسَلَّمْهُ مِنّا مَقْبُولاً وَلا تُؤاخِذْنا بإِسْرافِنا عَلى أَنْفُسِنا، وَاجْعَلْنا مِنَ الْمَرْحُومينَ وَلا تَجْعَلْنا مِنَ الْمحْرُومينَ".

 

وما يزيد من شرف العشر الأواخر وتألقها وتميزها فيها هو احتضانها لليلة هي ليست كبقية الليالي.. وقد أبان الله عظيم فضلها وشرفها وكرامتها عندما أنزل فيها قرآناً: {إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ * وَمَا أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ * لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ * تَنَزَّلُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِمْ مِنْ كُلِّ أَمْرٍ * سَلَامٌ هِيَ حَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ}..

 

فبركة هذه الليلة تعود للأجواء الروحية والإيمانية التي تظللها، ولما يغدقه الله فيها من عطاءات مما لا يغدقه في أي ليلة من الليالي.. ففي هذه الليلة نزل القرآن على قلب رسول الله(ص) أو كان بداية تنزله عليه ليكون للناس هدى ونوراً وبشرى وشفاء لما في الصدور ومنحة لهم من ربهم.. وهذه الليلة هي عند الله خير من ألف شهر أي أن العمل الذي يحصل فيها يوازي العمل في الألف شهر..

 

وهذا مظهر إضافي لكرم الله الذي عوّد الله عليه عباده وبركة ليس بعدها بركة لا يحرم من خيرها إلا كل محروم ولا يوفق إليها إلا كل مسعود..

 

وهي الليلة التي تنزل فيها الملائكة ومعهم الروح الذي فسر بأنه جبريل أو ملك هو أعظم من جبريل إلى السماء الدنيا.. حتى تضيق الأرض بهم، وهم عندما ينزلون فهم يحملون للعباد رحمة ورضواناً من خالقهم ويفيضون على الأرض سلاماً وطمأنينة هي تمتد حتى مطلع الفجر.

 

وكما تعلمون تعددت الروايات والترجيحات في ميقات وتاريخ هذه الليلة من ليالي شهر رمضان, ولعل في هذا الاختلاف حكمة وغاية.. إلا وهي دفع المؤمنين وترغيبهم في إحياء كل هذه الليالي العشر حتى لا يفوتهم خيرها وبركاتها التي لا تحصى.. وهذا ما ندعو إليه أن نحيي كل ليلة من الليالي العشر وحتى كل نهاراتها بما أمكن من العبادة.. وهذا لا يعني أن نقضي كل الوقت بل أن نقضي بعضاً من الوقت لعله بذلك تصفو أرواحنا وتسمو نفوسنا.. وهنا لا بد من عدم الاستغراق في الطقوسية في الشكلية التي تحكم غالب عباداتنا لحساب العبادة التي تعيش العمق الروحي بما يحقق غايتها..

 

لكن هذا لا يعني أن ليس هناك ترجيح لواحدة من الليالي.. وقد ورد الترجيح إنها ليلة الثالث والعشرين بحسب ما عليه عموم علماء الشيعة لما ورد عن أحد أصحاب رسول الله(ص) عندما جاء إلى رسول الله(ص) في بداية شهر رمضان وقال له: إني لا أقدر أن آتي كل ليلة لإحياء ليلة القدر لكون المسلمين كانوا يحيونها في العشر الأواخر التماساً لها.. فمرني بليلة واحدة آتي بها اطمئن أنها ليلة القدر.. فأشار له أنها ليلة الثالث والعشرين.. فيما علماء السنة رجحوا أنها في ليلة السابع والعشرين لاختلاف روايات الترجيح لديهم..

 

ولا يعني بالنسبة لنا هذا فتور الهمة في بقية الليالي، بل لا بد من أن نبقي الهمة كما في هذه الليلة لأن من يطلب نتائج ليلة القدر لا بد أن يأخذ كل الاحتمالات..

أما عن المغزى من تسمية هذه الليلة بليلة القدر وهل توحي هذه التسمية بشيء ما يتعلق بهذه الليلة..

 

اختلفت التأويلات في ذلك فهناك من أشار إلى أنها سميت بليلة القدر لعظيم قدرها وشرفها أو لما يحظى به المحيون لهذه الليلة من البركات والخيرات والعطاءات التي تفوق تصور الإنسان.

 

وهناك من لفت إلى أن القدر يأتي بمعنى الضيق والدليل على ذلك قوله سبحانه: {وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ} لذا سميت ليلة القدر لكونها تضيق بالملائكة لكثرة عددهم...

 

قد يكون هناك بعض الصحة في كل هذه المعاني لكن الأقرب إلى ذلك أن القدر هنا بمعنى التقدير أي أن الله سبحانه يقدر في هذه الليلة للعباد مقدراتهم لسنة كاملة.. سواء في أرزاقهم أو آجالهم أو ما يحصلون عليه إذن بذلك، ويؤيد ذلك قوله: {إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُبَارَكَةٍ إِنَّا كُنَّا مُنْذِرِينَ * فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ * أَمْراً مِنْ عِنْدِنَا إِنَّا كُنَّا مُرْسِلِينَ..}..

 

وبناء على ذلك هي ليلة مصيرية بالنسبة إلينا، فما أدرانا إن كان الله يمد في أعمارنا لنشهد غيرها، وهي ليلة عظيمة لا فقط بمدى الثواب الذي ينتظرنا بإحيائها حق الإحياء بل بما يقرر في هذه الليلة من مقدرات أمورنا.. لكن كل هذه العطاءات والبركات والكرامة وهذا الصبر مشروط بنا بمدى حضورنا واستجابتنا لدعوته إلينا بإحياء هذه الليلة وبمدى إقبالنا على الله فيها.. فحتى نحظى بكل ذلك لا بد من أن نسجل حضورنا في كتاب الحاضرين أن لا نشغل عن ذلك بأي شاغل من أمور الدنيا.. وأن نقبل على الله فيها بقلوب قد طهرت وخلت من كل حقد وبغضاء وشك، قلوب امتلأت ثقة بربها وبعطاءاته.. وألسنة نظيفة قد تطهرت من الغيبة والنميمة والكذب أو الكلام البذيء وأن نقبل عليه بعقل واع..

 

فالله لا يقبل ذلك إلا عن وعي ودراية.. وهو لا يستجيب لدعاء أو ذكر إلا من قلوب واعية.. قلوب طاهرة وألسنة نظيفة والتي لا تنطق إلا بالخير.. وإلى هذا أشار الحديث: "إن الله لا يستجيب دعاء من قلب لاه وساه.. فإذا دعوت الله فأقبل بقلبك ثم استيقن الإجابة.

 

وقد ورد في ذلك أن رجلاً من بني إسرائيل راح يدعو الله أن يرزقه غلاماً وبقي على ذلك ثلاث سنين لما رأى أن الله لا يجيبه توجه إليه قائلاً: يا ربّ أبعيدٌ أنا منك فلا تسمعني، أم قريب أنت مني فلا تجيبني؟! فأتاه هاتف في منامه،: إنّك تدعو اللّه منذ ثلاث سنين بلسانٍ بذيء، وقلب عاتٍ غير تقيّ، ونيّةٍ غير صادقة، فأقلع عن بذائك، وليتّق اللّه قلبُك، ولتحسن نيّتك.. ففعل الرّجل واستجاب الله له دعاءه..

 

وأبرز مظهر لقبول أعمالنا واستجابة دعائنا من هذه الليلة المباركة أيها الأحبة، هو ببساطة أن نرى أنفسنا قد تغيرنا بعد هذا اليوم، نرى أنفسنا وقد صرنا أكثر قرباً من الله وأكثر حباً له وأكثر مسؤولية تجاهه، وبالتالي أكثر إنسانية وأكرم أخلاقاً وأحسن عملاً.. وهذا هو ما أريد منا عندما دعينا إلى أن نقرأ في هذه الليلة القرآن والأدعية والأذكار.. ونرى أننا صدقنا وعدنا مع الله عندما قلنا له في دعاء التوبة: "اللَّهُمَّ إِنِّي أَتُوبُ إِلَيْكَ فِي مَقامِي هَذَا مِنْ كَبائِرِ ذُنُوبِي وَصَغائِرِها، وَبَواطِنِ سَيِّئاتِي وَظَواهِرِها، وَسَوالِفِ زَلأَتِي وَحَوادِثِها، تَوْبَةَ مَنْ لا يُحَدِّثُ نَفْسَهُ بِمَعْصِيَةٍ، وَلا يُضْمِرُ أَنْ يَعُودَ فِي خَطِيئَةٍ..".

 

ونرى أنفسنا قد تمثلت الأخلاق التي دعونا الله في دعاء مكارم الأخلاق أن ينعم علينا بها.. "وسدِّدني لأن أُعارض من غشَّني بالنُّصح، وأُجزيَ من هجرني بالبرِّ، وأُثيبَ من حرمني بالبذل، وأُكافئَ من قطعني بالصِّلة، وأُخالف من اغتابني إلى حسنِ الذِّكر، وأن أشكر الحسنة وأُغضيَ عن السَّيِّئة".. أو بتنا أكثر التزاماً بالمضامين التي تضمنتها السور التي نقرأها في هذه الليلة سورة العنكبوت والروم والدخان.. وبدون ذلك لن ننال النتائج المباركة التي نرجوها في هذه الليلة.. فلنقبل فيما تبقى من ليال ولا سيما ليلة الثالث والعشرين من شهر رمضان بكل قلوبنا وجوارحنا ولنتحضر لها لعلنا نكون من المقبولين والمحظيين بل نكون أعلاهم..

 

هي فرصة ثمينة لا يفوتها الواعون ولنصبِّر أنفسنا عليها.. فنحظى بما قاله علي(ع): "صَبَرُوا أَيَّاماً قَصِيرَةً، أَعْقَبَتْهُمْ رَاحَةً طَوِيلَةً".

 

الخطبة الثانية

 

عباد الله، أوصيكم وأوصي نفسي بوصيَّة أمير المؤمنين، الَّتي آثر أن يودعها أهل بيته وأصحابه قبل أن يغادر الدنيا.. والوصيَّة يضع فيها الموصي الأمور التي تهمه، وتشغل باله، ويخشى أن تضيع ولا يعمل بها، فأيّ الأمور هي الَّتي كانت تشغل بال أمير المؤمنين وهو على فراش الموت!؟

 

لقد توجّه (ع) في البداية إلى ولديه الحسن والحسين (ع)، فقال:

"أوصيكما وجميع ولدي وأهل بيتي ومن بلغهم كتابي هذا من المؤمنين، بتقوى الله ونظم أمركم وصلاح ذات بينكم، فإني سمعت رسول الله (ص) يقول: صلاح ذات البين أفضل من عامة الصّلاة والصّيام.

 

الله الله في الأيتام، لا تغبّوا أفواههم ولا يضيعوا بحضرتكم. والله والله في جيرانكم، فإنهم وصية نبيكم، ما زال يوصي بهم حتى ظننا أنه سيورثهم. والله الله في القرآن، فلا يسبقنّكم إلى العمل به غيركم. والله الله في الصلاة، فإنها عماد دينكم. والله الله في بيت ربكم، فلا يخلو منكم ما بقيتم، فإنه إن ترك لم تناظروا.. والله الله في الجهاد في سبيل الله بأموالكم وأنفسكم وألسنتكم.. ولا تتركوا الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فيولى الأمر شراركم، ثم تدعون فلا يستجاب لكم، وعليكم بالتواصل والتباذل، وإياكم والتدابر والتقاطع والتفرق والحسد..".

 

ثم يقول: "لا ألفينَّكم تخوضون دماء المسلمين خوضاً، تقولون: قتل أمير المؤمنين، ألا لا تقتلن بي إلا قاتلي، انظروا إن أنا متّ من ضربته هذه، فاضربوه ضربة بضربة، ولا تمثلوا بالرجل، فإني سمعت رسول الله (ص) يقول: إياكم والمثلة ولو بالكلب العقور".

 

هذه هي وصية أمير المؤمنين لنا، فلنستوصِ بها. والالتزام بها يؤكّد حقيقة حبنا له (ع)، فهو لن يكتفي منا بمشاعرنا وعواطفنا، بل يريد العمل والسلوك أيضاً.

 

وكما قال الإمام الباقر (ع): "أيكفي الرجل أن يقول أحبّ عليّاً وأتولّاه، ثمّ لا يكون مع ذلك فعّالاً؟ ثمّ لا يتّبع سيرته ولا يعمل بسنّته، ما نفعه حبّه إياه شيئاً، فاتّقوا الله واعملوا لما عند الله، ليس بين الله وبين أحد قرابة، أحبّ العباد إلى الله عزّ وجلّ وأكرمهم عليه، أتقاهم وأعملهم بطاعته". ولذلك، علينا أن نتقي الله لما عنده. ومتى فعلنا ذلك، سنكون أكثر وعياً وقدرةً على مواجهة التحديات!

 

لبنان

والبداية من القانون الانتخابيّ الَّذي أبصر النور بعد طول تسويف من القوى السياسيَّة.. فقد كان من الممكن أن يتمّ الاتفاق عليه قبل هذا الوقت بكثير، مما يوفّر على اللبنانيين تداعيات الانتظار على كلّ الصعد، حيث تأكدت الحقيقة التي كنا نقولها بأن لا حلّ في لبنان إلا بالتوافق، ولكن مع الأسف، هو التوافق على الحصص، بعدما أتقنت أغلب القوى السياسية التعامل مع اللبنانيين على قاعدة اللعب على حافة الهاوية، حتى يسهل عليها تمرير ما تريد تمريره، بحيث يصبح أيَّ حلٍّ، حتى لو كان أسوأ الحلول، مطلباً للبنانيين.

 

لقد أصبح واضحاً أنَّ هذا القانون ما كان ليبتّ لولا ثقة القوى السياسية بأنه لن يخسّرها مواقعها، وهي إن خسرت في موقع، فستربح في موقع آخر، فالقانون لم يكن لسواد عيون اللبنانيين، أو لسواد عيون الطوائف، بل لسواد عيون هذه القوى، وتضخيماً لمواقعها، لكن هذا لا يعني أن لا إيجابيَّة فيه، بعدما دفن القانون الأكثري الَّذي حكم لبنان منذ عشرينيات القرن الماضي، والذي حال دون تمثيل حقيقي للبنانيين، وأدخل لبنان في عصر النّسبية التي لطالما دعونا إليها.. ولكنَّنا في الوقت نفسه، نسجّل شوائب عدة عليه، في تقسيمه للدوائر بطريقة راعى فيها الاعتبارات الطائفية والمذهبية التي تؤمن مصلحة القوى السياسية، وكرس ما أفرزته الحروب والصّراعات اللبنانيّة، فهو لم يخضع لمعايير واحدة، أو يتقدَّم خطوة كنا ننتظرها في اتجاه الوطن الجامع، وهذا يجعل لبنان في مهب الصراعات التي تلف المنطقة، والتي تأخذ طابعاً طائفياً ومذهبياً، ويبقي لبنان شركة طوائف، بدلاً من أن يكون وطناً ينصهر فيه الجميع..

 

ومن هنا، فإنَّنا ندعو كلّ القوى الحريصة على هذا البلد، أن لا تتوقَّف عن التأسيس على إيجابيات هذا القانون، وأن تستمرّ في العمل لإزالة كلّ الشوائب فيه، لتخرج بقانون يعتمد على النّسبية الصّحيحة لا المشوّهة، بعيداً عن كل الاعتبارات الطائفية والمصالح السياسيّة الضيّقة، وأن لا تخلد إلى ما يقال من أنَّ طبيعة الواقع اللبناني الطائفي تفرض مثل هذا القانون.

 

أزمة الخليج

وننتقل إلى الأزمة المستمرة بين قطر وبعض دول الخليج، الَّتي ساهمت وتساهم في مزيدٍ من التشظّي والانقسام في العالم العربيّ والإسلاميّ، وهي بالطبع ستؤدي إلى تدخّل متزايد للدّول الكبرى في المنطقة، لتعزيز إطباقها على دول الخليج، وللمزيد من الابتزاز المالي وصفقات السّلاح.. كما رأينا ذلك مؤخراً، وبكلّ وضوح.

 

ونحن أمام ما يجري، ندعو إلى الإسراع في إيجاد حلول تنهي هذا الشّقاق، وتصوّب مسار هذه الدول التي طغت على دورها سياسات خاطئة في هذه القضية وغيرها من قضايا المنطقة، كما ندعو إلى إيقاف الحصار الَّذي يتناقض مع القيم الإسلاميَّة والإنسانيَّة.. وهو ما نرفضه في كلّ الحروب والأزمات السياسية، فلا يوجد مبرر للضغط على سياسات الدول، من خلال الضغط على لقمة عيش شعوبها والناس الذين قد لا يكون لهم دور في أيّ من السياسات القائمة حولهم.

 

معدل الجريمة في لبنان

وأخيراً، لا بدَّ لنا في ظلِّ تزايد حجم الجريمة في لبنان، مع ما لها من آثار في أمن المواطنين وحياتهم واستقرارهم، من العمل الجاد على الصعد التربوية والأخلاقية والدينية، وعلى المستوى الأمنيّ، بتنظيم رخص السلاح، للوقاية من هذه الجرائم.

 

ولا بدّ أيضاً من أن يواكب ذلك قضاء فاعل ومستقلّ، يحكم بكلّ العقوبات الرادعة والحاسمة، التي لا تخضع للتسويات وللمداخلات، بل تجعل المجرم يحسب ألف حساب قبل أن يقدم على جريمته.. {وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ..}.

ولذلك، فإنَّنا نقف مع تحرّك الأهالي الَّذين اكتووا بنار هذه الجرائم، وفُجعوا بأولادهم وأقاربهم، وندعو إلى الوقوف معهم، حتى لا نكون أمام جرائم جديدة، أصبحت تجري، مع الأسف، بكل برودة أعصاب، وعلى الهواء مباشرة.

 

المكتب الإعلامي لسماحة العلامة السيد علي فضل الله

التاريخ : 21 رمضان 1438هـ الموافق :  16حزيران2017م

 

عربية
الجمعة, حزيران (يونيو) 16, 2017